حين نصنع ما يأكلنا …
للكاتب د. أمين عبدالخالق العليمي.

ثمة أشياء لا تولد كبيرة، تبدأ صغير، فكرةً، ثم أمنية، ثم حلماً، ثم صورةً جميلة نعلّقها في مخيلتنا، ثم نبدأ بإطعامها من أعمارنا، ووقتنا، ومشاعرنا، وتصفيقنا… حتى تكبر، ثم يأتي يومٌ نكتشف فيه أنها لم تعد حلماً، لقد أصبحت كائناً له إرادة، وأصبحنا نحن الذين نعيش في ظله،
وهنا تبدأ الحكاية التي لا نحب الاعتراف بها: أحياناً لا يأكلنا ما صنعه الآخرون، بل يأكلنا ما صنعناه نحن، نصنع صورةً لإنسان، ثم نطالبه أن يعيش داخلها،
نرفعه فوق أقرانه، ونكثر من مدحه، ونمنحه من الثقة ما يفوق قدرته على حملها، ثم نستغرب عندما يصدق الصورة التي رسمناها له، نقول له: أنت القائد، ثم لا نعلمه كيف يسمع، نقول له: أنت مختلف، ثم لا نعلمه كيف يحترم المختلفين معه،
نقول: أنت كبير، ثم لا نعلمه أن الكبير هو أول من يعترف بخطئه،
نقول: أنت تستطيع كل شيء، ثم نغضب عندما يرفض أن يسمع كلمة «لا»، وهكذا لا نربي إنساناً واثقاً، بل قد نربي إنساناً لا يستطيع العيش إلا إذا كان فوق الآخرين، وهذه هي البذرة الأولى للطغيان، فالطغيان لا يبدأ دائماً في القصر، أحياناً يبدأ في غرفة طفل، نحن نخطئ حين نظن أن الطغاة يولدون طغاة، كثير منهم يبدأون أطفالاً عاديين، لكنهم يتعلمون، بالتدريج، أن العالم يدور حولهم، أن رغبتهم أهم من رغبة الآخرين، أن الاعتذار نقص، أن النقد عداء، أن السلطة امتياز، أن المنصب حصانة، أن التصفيق دليل على الحقيقة، ثم يكبر الطفل… ويكبر معه الوهم،
وحين يصل إلى موقع يستطيع فيه تنفيذ أوهامه، لا يعود الوهم مجرد فكرة في رأسه، يصبح قراراً يمس حياة الآخرين، وهنا ندرك متأخرين أننا لم نكن أمام رجلٍ قوي، بل أمام إنسانٍ لم يتعلم كيف يحمل القوة، والقوة التي تقع في يد إنسان لم يتعلم ضبط نفسه قد تكون أخطر من الضعف، لكن المفارقة الأكثر قسوة أننا نحب صناعة الأصنام، نحن الذين نرفع الإنسان إلى مكان لا يستطيع أن يعيش فيه طبيعياً، ثم نطالبه بعد ذلك أن يبقى إنساناً، نمنحه لقباً بعد لقب، نضع صورته في كل مكان، نصفق لكل كلمة، الي درجة ان لايُفهم من خطابه سوي التصفيق، نبرر كل خطأ، نغضب ممن ينتقده، ثم يأتي يوم لا يستطيع فيه أن يسمع إلا صوته،
وحينها نسأل: لماذا تغير؟ والحقيقة أنه ربما لم يتغير، نحن الذين غيّرنا المسافة بينه وبين الحقيقة، وهذا لا يحدث في السياسة وحدها، يحدث في البيت، في المدرسة، في القبيلة، في المؤسسة، في المجتمع، في الصداقة، حتى في العلاقات الإنسانية البسيطة، قد نصنع من شخصٍ عادي أسطورةً، ثم نغضب عندما يتصرف كأنه أسطورة، نمنحه ما لا يستحق من التقديس، ثم نلومه عندما يطلب المزيد، نصنع له عرشاً من كلماتنا… ثم نشكو من أنه لم يعد يعرف كيف ينزل من هذا العرش، والأخطر من صناعة الأشخاص… صناعة الأحلام الكاذبة، أن نقول لأطفالنا: ستصبحون أعظم من الجميع، بدل أن نقول: ستصبحون أفضل مما تستطيعون أن تكونوا، أن نعلمهم أن النجاح هو أن يسبقوا الآخرين، لا أن يطوروا أنفسهم، أن نربط قيمة الإنسان بمنصبه، وملابسه، وشهرته، وعدد من يعرفونه، ومقدار ما يملكه، ثم نستغرب عندما يكبرون وهم يشعرون أن الحياة معركة لإثبات الذات،
لقد أعطيناهم معياراً خاطئاً للنجاح، فصار الواحد منهم لا يسأل: ماذا أستطيع أن أقدم؟ بل: وكيف أجعل الآخرين يرونني؟ووهنا تبدأ المأساة،ولأن الإنسان الذي يعيش من أجل أن يُرى، قد يضحي بكل شيء حتى لا يُرى صغيراً، نحن لا نحتاج إلى قتل أحلام أبنائنا، بل نحتاج إلى تهذيبها.
قل لابنك: احلم أن تكون قائداً… لكن تعلم أولاً كيف تكون تابعاً صالحاً، احلم أن تكون مديراً… لكن تعلم كيف تحترم العامل البسيط، احلم أن تكون مشهوراً… لكن تعلم كيف تعيش بسلام عندما لا يصفق لك أحد، احلم أن تكون قوياً… لكن تعلم أن القوة التي لا تضبطها الأخلاق تتحول إلى ظلم، احلم أن تكون فوق القمة…
لكن لا تنسَ أن القمة مكانٌ مرتفع، والهواء فيها قليل، ومن لا يعرف التواضع قد يسقط من أعلى مما يتوقع،
وفي السياسة، تصبح المسألة أكثر خطورة، فحين يتحول السياسي إلى صنم، تتحول الجماهير إلى حراسٍ لأخطائه، وحين تتحول المؤسسة إلى شخص، تصبح مغادرة الشخص انهياراً للمؤسسة، وحين يصبح الوطن مرتبطاً بوجه واحد، او أسره واحده، يصبح اختلاف الناس مع ذلك الوجه، او الاسره وكأنه اختلاف مع الوطن نفسه،
وهذه من أخطر اللحظات في حياة المجتمعات: حين تختلط الدولة بالشخص، والوطن بالزعيم، والرأي بالحقيقة، والولاء بالتصفيق، الدول القوية لا تحتاج إلى أصنام، الدول القوية تحتاج إلى مؤسسات، فاتركوا الرجل يؤسس لها، فأن القيادات العظيمة لا تخاف من النقد، وهذا ما لمسته فيه عن عشره، بل تحتاج إليه، لأن المرآة التي لا تُظهر العيوب ليست مرآة… انها دعاية،
ولذلك، ربما يكون أعظم اختبار للقائد ليس في مقدار ما يملك من سلطة، وإنما في قدرته على أن يسمع كلمة لا تعجبه، وقد سمع منكم الكثير مما يُغضِب وليس يعجب ولم يغضب، او يتخلي، ومستمر بهدوء، وأن يجلس أمام شخص أصغر منه في المنصب، فيقول له: أنت مخطئ،ثم لا يغضب، أن يكتشف أن قراراً اتخذه لم يكن صائباً، فيقول: سأصححه، بعد ان عرف الحقيقه ولم يُصر، أن يترك موقعه يوماً، فلا يشعر أن الحياة انتهت، ولكن دوره انتهي ليبداء دور آخر، لأن الذي يعرف أن المنصب عابر، لا يحتاج إلى تحويل نفسه إلى صنم كي يبقى،
ربما آن لنا أن نعيد تعريف التربية، لسنا بحاجة إلى أطفال يعتقدون أنهم أفضل من الجميع، نحن بحاجة إلى أطفال يعرفون قيمتهم دون أن يحتقروا قيمة الآخرين، لسنا بحاجة إلى شباب يريدون أن يكونوا مشهورين، نحن بحاجة إلى شباب يريدون أن يكونوا نافعين، لسنا بحاجة إلى قادة لا يخطئون، فهذا مستحيل، نحن بحاجة إلى قادة يعرفون كيف يصلحون أخطاءهم، ولسنا بحاجة إلى جماهير تصفق دائماً،
بل إلى مواطنين يستطيعون أن يقولوا: نؤيد حين نقتنع، ونُبدي الرأي الصائب والمعتدل عند الحاجه، ونختلف حين نختلف، ونحترم الإنسان دون أن نقدس الفكرة، وفي النهاية…
ربما السؤال الحقيقي ليس:
لماذا يصنع الناس الطغاة؟
بل: لماذا نحب أن نصنعهم؟
لماذا نرتاح لفكرة الشخص الذي يحل كل شيء؟
لماذا نبحث عن من يفكر بدلاً منا؟
لماذا نخاف من المسؤولية، ثم نشكو من الذين يتحملونها بطريقة خاطئة؟
لماذا نريد قائداً قوياً، ونعود نجلده ثم ننسى أن القوة تحتاج إلى مؤسسات تضبطها؟
لماذا نريد أبناءً عظماء، ثم نزرع فيهم منذ الصغر خوفاً من الفشل؟
لماذا نريد أحلاماً كبيرة، ولا نريد دفع أثمانها؟ ربما لأن الإنسان يحب النتائج أكثر من الطريق، ويحب الصورة أكثر من الحقيقة، ويحب أن يصنع بطلاً… حتى لو كان يعرف في داخله أنه قد يحتاج يوماً إلى إسقاطه، لذلك… قبل أن نصنع صنماً جديداً، لنسأل أنفسنا: هل نريده إنساناً أم أسطورة؟
وقبل أن نزرع حلماً في طفل، لنسأل: هل نمنحه جناحين… أم ندفعه إلى الفضاء بلا بوصلة؟ وقبل أن نصفق لقائد، لنسأل: هل نساعده على رؤية الحقيقة… أم نساعده على الهروب منها؟ وقبل أن نطالب الآخرين بالعظمة، لنسأل: هل علمناهم أولاً كيف يكونون بشراً؟ فربما لا يكون أعظم إنجاز نتركه خلفنا هو أننا صنعنا شخصاً عظيماً، ربما يكون أعظم إنجاز…أننا صنعنا إنسانًا لا يحتاج إلى أن يسحق أحداً كي يشعر بأنه عظيم، وحينها فقط…
لن نصنع أصناماً نضطر يوماً إلى كسرها، ولن نصنع أحلاماً تلتهم أصحابها، ولن نربي طغاةً ثم نقضي أعمارنا في البحث عن المسؤول عن طغيانهم،
سنكون قد تعلمنا أخيراً أن التربية ليست أن تقول للإنسان: كن فوق الناس، بل أن تقول له: كن جديراً بأن تكون بينهم،
وهذه… ربما تكون أعظم تربية، وأطول عمراً من كل منصب، وأبقى من كل مجد، وأجمل من كل صنم، لأن ما نحتاجه في النهاية ليس أناساً يعبدهم الآخرون… بل أناساً يستطيع الآخرون أن يثقوا بهم .





