محافظة شبوة… سجلٌ من النضال والتاريخ العريق

رواها 360 عدن محمد حمود الشدادي

شبوة ليست محافظة تختصرها الجغرافيا، ولا أرضاً تُقاس مكانتها بما تختزنه من ثروات طبيعية ومواقع استراتيجية فحسب ؛ بل بما تختزنه من ذاكرة وطنية ، وصفحة مشرقة في سجل النضال اليمني، وأرضٌ صاغت عبر التاريخ ملامح العزة والإباء، وقدّمت قوافل الشهداء من تضحيات أبنائها ما يجعلها حاضرةً في وجدان أبناء الوطن، بوصفها عنواناً للشموخ، وموطناً للمواقف الوطنية التي لا تنحني أمام العواصف والطغاة.
شبوة الخير والنضال، والرجال والجبال، كانت على امتداد تاريخها مسرحاً لمحطات مفصلية من التحولات الوطنية؛ فمن مواجهة أطماع التوسع الاستعماري، إلى الحركات الوطنية والثورة والاستقلال، ومن التحولات السياسية إلى تحديات الدولة والتنمية ، وفي كل محطةٌ ظل الإنسان الشبواني حاضراً بإرادته الصلبة، واعتزازه بأرضه، وتمسكه بكرامته وهويته الوطنية.
شبوة العوالق، والحوارث، والمصعبين، وبني هلال، وسعد، وامتدادات القبائل والبيوت الاجتماعية العريقة ؛ نسيجٌ أصيل من تاريخ هذه الأرض، ومكوّنٌ من مكونات شخصيتها الاجتماعية والوطنية، التي تميّزت بالشجاعة والنجدة والوفاء، وبالقدرة على التماسك في وجه المحن، وصون الروابط الاجتماعية، وحماية الأرض والإنسان.
ففي سجل شبوة النضالي تاريخٌ كُتبت فصوله بتضحيات الرجال، وارتوت صفحاته بدماء الشهداء، وحملته الأجيال من ذاكرة الآباء إلى وجدان الأبناء، وليس هذا السجل حكاية من الماضي تُروى في المناسبات، بل مسيرةٌ متصلة تتجدد مع كل تحدٍّ تواجهه المحافظة وأبناءها، تؤكد أن الأوطان لا تصونها الشعارات وحدها، وإنما تحرسها المسؤولية، وتبنيها التضحيات، وتنهض بها إرادة الحياة والعمل.
وها هي شبوة، رغم ما تواجهه من أزمات وتحولات وصراعات، تواصل دفع أثمان باهظة في سبيل أمنها واستقرارها، فيما يظل أبناؤها في قلب معركة الدفاع عن الدولة والمجتمع، ومواجهة التهديدات التي تستهدف الإنسان ومؤسسات الوطن ومقدراته، كان آخر تلك المحطات الاسبوع الماضي حين شهدت المحافظة تشييع موكبٍ جنائزيٌ مهيب تقدمه محافظة محافظة شبوة عوض العولقي ابن الوزير وعددٌ من القيادات العسكرية والمدنية لوداع كوكبة من الشهداء الميامين الذين قضوا نحبهم أثر استهداف غادرٌ وجبان قامت به مليشيات الانقلاب الحوثية، بالصواريخ البالستية على مركز الشهيد احمد السليماني التدريبي بمحافظة شبوة والذي تسبب في استشهاد 75 جندياً وجرح أكثر من 200 اخرين ، مشهد جسّد فداحة الخسارة، وعظمة التضحية، وحجم المصاب الذي ألمّ بأسر الشهداء ورفاقهم وأبناء شبوة كافة، ولم يكن ذلك المشهد مجرد وداعٍ لجثامين الشهداء، بل كان تعبيراً عن وجع محافظةٍ تعرف معنى الفقد، وتدرك أن خلف كل شهيد أسرةً مكلومة، وأحلاماً انطفأت قبل اكتمالها، ومستقبلاً كان ينتظر صاحبه.

فسجل شبوة النضالي لا تُثنيه الأحداث مهما كانت جسيمة، وشموخها لا ينكسر أمام عصابات الكهنوت مهما كان تجبرها،
فالتاريخ الذي تصنعه التضحيات لا ينتهي برحيل أصحابه، بل يظل أمانةً في أعناق الأجيال، ومسؤوليةً تستوجب تحويل معاني البطولة إلى عملٍ وطني، ومعاني الوفاء إلى مؤسسات عادلة، وتضحيات الشهداء إلى حياةٍ أكثر أمناً وكرامةً واستقراراً.
وها هي شبوه، ستظل صامدة برجالها وجبالها، وأصالة مجتمعها، وعمق تاريخها، شامخة في وجدان الوطن! لا لأن طريقها خالٍ من التحديات، بل لأنها تمتلك من إرث الصمود ومقومات النهوض ما يؤهلها لتجاوز المحن، وتغليب المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية..
ايضا علاقة النضال والتضحيات لايمكن قراءته في هذه المحافظة بمعزل عن جذورها الحضارية؛ فهذه الأرض ليست وليدة الأحداث المعاصرة، بل تمتد جذورها إلى عصورٍ قديمة شهدت قيام ممالك يمنية عريقة، أسهمت في تشكيل تاريخ جنوب الجزيرة العربية، ففي محيط شبوة التاريخي قامت ممالك حضرموت وقتبان وأوسان، وارتبطت المنطقة بشبكات التجارة القديمة، وطرق البخور، ومراكز الاستقرار والعمران، وميناء قنا وبما يعكس عمقها الحضاري وأهميتها الاقتصادية والاستراتيجية عبر القرون، كما أن تاريخ السلطنات والمشيخات والتكوينات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها المنطقة يشكل جانباً مهماً من ذاكرتها التاريخية والاجتماعية والتنموية والثقافية.
شبو.. شجرةٌ متجذرة اغصانها
(عتق – ميفعة – الروضة – عرماء – حبان – الصعيد – الطلح – بيحان – جردان – دهر – حطيب – رضوم – عسيلان – مرخة السلفى – مرخة العليا – نصاب – عين ).
اللهم احفظ شبوة وارحم الشهداء واشفي الجرحى…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى