إستنساخ الغباء أم غباء الاستنساخ؟

<span;>إستنساخ الغباء أم غباء الاستنساخ؟

صابر الجرادي

<span;>ثمة أشياء تبدو صغيرة إلى الحد الذي لا يثير الانتباه؛ لوحة معدنية على مؤخرة أو مقدمة سيارة، رقم يمر سريعًا في الزحام، اسم محافظة مطبوع بخط بارد لا يحمل في ظاهره أكثر من وظيفة تنظيمية. لكن الخراب لا يبدأ دائمًا بالدبابات والخطب الكبرى، أحيانًا يبدأ من التفاصيل التي نتواطأ على اعتبارها عادية، حتى تستيقظ البلاد ذات صباح لتجد نفسها وقد تحولت إلى شظايا متجاورة، تتجاور ولا تلتقي.

<span;>إن تحويل اللوحات المرورية إلى هويات مناطقية متقابلة، بين عدن وتعز وحضرموت وشبوة وغيرها، ليس مجرد إجراء إداري عابر كما يُراد لنا أن نصدق، بل هو انعكاس نفسي عميق لأزمة هوية تتآكل في الداخل ببطء.

<span;> نحن لا نتحدث هنا عن تنظيم سير، بل عن إعادة تشكيل الوعي الجمعي عبر الإشارات اليومية الصغيرة، عن وطن كان يُعاد تعريفه قطعة قطعة، حتى يصبح الانتماء إلى المحافظة أو المنطقة أكثر حضورًا من الانتماء إلى اليمن ذاته، وما تروه في مواقع التواصل الإجتماعي دليل على هذا الخلل..

<span;>لجورج طرابيشي كتاب اسمه الدولة القطرية والنظرية القومية يحذر فيه من تضخم الكيان القُطري حين يتحول من إطارإداري إلى بديل  عن الهوية الجامعة، لكن ما نعيشه اليوم أكثر هشاشة وأشد مرارة، إنه نوع من “القطريات الصغيرة” الذي يحاول بعض الأطراف تعزيزها. فنجد الزطن والوطنية تختزل في لوحة سيارة، ويُعاد رسم الحدود النفسية بين الناس بخطوط معدنية صامتة.

<span;>الفكرة تبدو كأنها استعارة مشوهة لأنظمة مستقرة في العالم، تلك التي تحمل فيها الولايات أو المقاطعات رموزها ضمن دولة راسخة لا يخشى أحد فيها على معنى الوطن.

<span;>أما هنا، في بلد مثقل بالتمزق والشكوك والندوب، فإن هذه اللوحات لا تؤدي وظيفة إدارية بقدر ما تتحول إلى”جدران برلين’ متنقلة، تسير في الشوارع وتعيد تذكير الجميع بأنهم مقسمون حتى وهم يسيرون على الطريق ذاته.

<span;>السيارة، التي كان يفترض أن تكون رمزًا للحركة والعبور والانفتاح، تتحول بهذه الصيغة إلى إعلان ثابت عن انتماء ضيق، كأن الإنسان مطالب في كل لحظة أن يعرف نفسه جغرافيًا قبل أن يُنظر إليه بوصفه مواطنًا. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، حين تصبح الهوية شيئًا مُشيّأ، مختزلًا في رمز بصري سريع، يسهل فرزه وتصنيفه واستدعاء الأحكام المسبقة عليه.
<span;>والأشد قسوة أن هذا كله يحدث في بيئة تعيش أصلًا على حافة الاحتقان. ففي اللحظات المرتبكة ، لا تبقى لوحات السيارات مجرد لوحة، بل قد تتحول إلى “وسم” قابل للاستهداف والتمييز والاشتباه. الدولة التي يفترض أن تذيب الفوارق تحت رمز سيادي واحد، تبدو هنا وكأنها تعيد إنتاج الانقسام بأدواتها الخاصة، وتمنح التشظي هيئة رسمية معلقة على السيارات والطرقات.
<span;>فقد شافرت وأخي للقرية قبل شهر وكانت لوحة السيارة “عدن” كان يتم تفتيش السيررة في كل نقطة. وحين سافرت قبل اسبوع مع صديق ولوحة السيارة اليمن خصوصي مررنا سريعًا ولم يتم تفتيشنا حتى وصلنا نقطة الحديد وهكذا حتى عدن كان يتم ايقافنا.
<span;>وقد لاحظت كثيرا في عدن حين تكون السيارة بلوحة مخالفة لما هو شاىع في عدن يتم تفتيشها..
<span;>اليوم، لا نحتاج إلى المزيد من الرموز التي تذكر الناس بمناطقهم، بل إلى ما يعيدهم نحو المعنى الأكبر الذي يتسع للجميع. نحتاج إلى استعادة فكرة اليمن لا بوصفها شعارًا عاطفيًا، بل باعتبارها المظلة الوحيدة القادرة على حماية هذا التنوع من التحول إلى تناحر.

<span;>فالقيمة الحقيقية لأي محافظة لا يصنعها رقمٌ مميز على لوحة، بل ما يقدمه أبناؤها من علم وكفاءة وإنجاز داخل المشروع الوطني العام.
<span;>البلاد لا تُبنى بتضخيم الفوارق، ولا بترميم الخراب بخراب أصغر منه. البناء الحقيقي يبدأ حين يرفض الإنسان أن يتحول إلى مجرد ترس صغير في ماكينة التفتيت حد تعبير طربيشي، فحين يدرك الإنسان أن قوة الأجزاء لا تعني شيئًا إذا كان الكل نفسه يتداعى.
<span;>وربما أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن، ليس أن تنقسم أرضه فحسب، بل أن يعتاد أبناؤه رؤية الانقسام حتى يبدو لهم طبيعيًا… وعاديًا… ويوميًا مثل لوحة سيارة تمر في الشارع.
<span;>أكتب هذا بسبب إصدار لوحة السيارة رقم واحد في تعز، وأطالب فيها بأن يتم تدارك الأمر ويمنع ذلك، لأن الفكرة جلبها شلة الإنتقالي من الإمارات وهذا دليل غباء بماهية الحكم في الامارت الذي كانوا يخططون لنسخه لليمن بغباء، أودى بهم للهروب عبر البحر..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى