الاختلاف حوار لا معركة

د.امين عبدالخالق العليمي :

لماذا أصبح الاختلاف بيننا معركةً لا حوارًا؟ ولماذا صار الرأي المخالف خصومةً، لا فرصةً لرؤيةٍ أوسع؟ ولماذا تحوّل النقاش في كثيرٍ من الأحيان إلى ساحةٍ لتبادل الإهانات، بدل أن يكون ميدانًا لتبادل الأفكار؟

إن الاختلاف سنةٌ من سنن الله في خلقه، ولو شاء سبحانه لجعل الناس أمةً واحدة، ولكنه جعل تنوع العقول واختلاف وجهات النظر باباً للتكامل، لا للتناحر، وللبناء، لا للهدم، فالمجتمعات العظيمة لم تنهض لأنها اتفقت على كل شيء، وإنما لأنها اختلفت بأدب، وتحاورت بعقل، واحترمت الإنسان قبل أن تحترم رأيه،

لقد خُلقت السياسة لتكون فن إدارة شؤون الناس، ورعاية مصالحهم، وتحقيق العدالة بينهم، لا لتكون وباءً ينشر الكراهية، ويقسم المجتمع إلى معسكراتٍ متناحرة، فالسياسة في أصلها رسالة مسؤولية، وليست ساحةً لتصفية الحسابات، ولا منصةً لإطلاق الشتائم، ولا مبرراً للطعن في الأعراض والنيات،

ومما يؤلم القلب أن ترى مقالاً لكاتبٍ أو مفكر، أو تصريحًا لمسؤول، أو فكرةً يطرحها مصلح، فتجد بعض التعليقات لا تناقش الفكرة، وإنما تهاجم الشخص، ولا ترد على الحجة، وإنما تغتال الأخلاق، وكأن البعض يظن أن البذاءة شجاعة، وأن السخرية ذكاء، وأن التجريح نوعٌ من النقد،

وأشد من ذلك حين يصدر قرارٌ رئاسي أو وزاري، فتُقام عليه المحاكمات في دقائق معدودة، وتُطلق الأحكام قبل معرفة أسبابه أو أهدافه أو ظروفه، نفتي فيما لا نعلم، ونجزم فيما لم نُحط به علماً، وكأن الحقيقة أصبحت تُولد في التعليقات، لا في الدراسة والتحليل،

وفي الوقت الذي تتسابق فيه الأمم في ميادين العلم والاقتصاد والتقنية والابتكار، لا يزال بعضنا يستنزف طاقاته في الجدل العقيم، وتحليل الأشخاص بدل تحليل الأفكار، ومطاردة الناجحين بدل الاقتداء بهم، فإذا برز مبدعٌ حاصرناه، وإذا نجح مجتهدٌ شككنا فيه، وإذا خدم مخلصٌ وطنه كافأناه بالاتهام والتجريح،

إن أخطر ما يصيب أي مجتمع ليس قلة الإمكانات، بل قلة الإنصاف، فالأمم لا تهزمها الأزمات وحدها، وإنما يهزمها حين يصبح النجاح تهمة، والإخلاص موضع شك، والصدق مدعاةً للسخرية.

وليس كل من رفع صوته ناقداً، ولا كل من أساء كان صريحاً، فالنقد الحقيقي لا يهدم، بل يبني، ولا يجرح الكرامة، بل يصحح المسار، ولا يقذف الناس في شرفهم، بل يناقش أعمالهم وأفكارهم بأدبٍ وإنصاف، أما التجريح، والتشهير، وإطلاق الأوصاف الجارحة، فذلك ليس نقداً، وإنما سقوطٌ أخلاقي يُلبس نفسه ثوب الحرية.

ولقد قيل: إن قيمة الإنسان تُعرف من مستوى حديثه، فالعقول الكبيرة تناقش الأفكار، والعقول المتوسطة تناقش الأحداث، والعقول الصغيرة تنشغل بالأشخاص، وما يخرج من اللسان ليس إلا مرآةً لما يسكن القلب والعقل.

إن الأوطان لا تُبنى بالصراخ، ولا تنهض بالتخوين، ولا تزدهر بثقافة الكراهية، وإنما تبنى حين نحترم اختلافنا، ونلتمس الأعذار، ونزن الكلمات قبل إطلاقها، وندرك أن الكلمة قد تهدم إنساناً، وقد تبني وطناً،

فلنجعل من اختلافنا طريقًا للتكامل، لا سبباً للتقاطع، ولنتعلم أن نقول: أختلف معك، ولكنني أحترم حقك في أن تقول رأيك، فليس الانتصار الحقيقي أن تُسكت من يخالفك، وإنما أن تُقنعه بالحجة، أو تحترم اختلافه بأخلاق الكبار.

فإذا ارتقت لغة الحوار، ارتقت معها الأوطان، وإذا سقطت الأخلاق في ميادين النقاش، فلن تنفعنا كثرة الشعارات، ولا ضجيج المنابر، لأن الأمم لا تحفظها قوة السلاح وحدها، وإنما يحفظها أيضاً رقي الفكر، ونبل الكلمة، واحترام الإنسان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى