الصدرية الخفية : أثر التقدم والنسوية على المرأة

د. مصطفى ناجي:

راج في فترة غير بعيدة (حتى بداية القرن الماضي) نمطاً من الأزياء النسائية التي تعكس حياة القصور والابهة وامتازت بتعدد القطع الملبوسة وثقلها وتنوع اقمشتها وامتيازها بنقوش ومنمنمات. لكن اكثر ما كان يميزها هو الصدرية التي يطلق عليها بالفرنسية corset.

وهذه الصدرية هي آخر ما يوضع على الخصر وكانت تشد بحبال من الخلف وتسبب آلاماً حادةً تصاحبها تشوهات في هيئة المرأة بسبب هرس الأضلاع السفلية تحت الضغط لإظهار خصر دقيقاً جداً للمرأة.

كانت الصدرية قيداً في المظهر يتخذ سمة المعيار الاجتماعي واحتمالها يعني الامتثال لمعايير الجمال ومتطلبات الموضة. وربما شاهد البعض في افلام كلاسيكية أو قصص أطفال مستخرجةً من حكايات أو تمثلات تاريخية، سيما حياة قصر فرساي، كيف يستعان بشخص لانجاز هذا اللبس وكل ما يرافق العملية من ألم.

هذه المقدمة ضرورية لايضاح عنوان كتاب ظهر في 2007، صدر عن دار ألبان ميشيل Albin Michel بعنوان الصدرية الخفية le corset invisible لكل من الكاتبتين إيلييت ابيكاسيس وكارولين يونغران. يحمل الكتاب عنواناً فرعياً: مانيفستو من أجل إمرأة فرنسية جديدة.

خلاصة هذا الكتاب الذي يغوص عميقاً بطريقة متعددة المناهج في الظرف العام للمرأة ويوضح أن التقدم لم يقد المرأة إلى التحرر كما هو متوقع، وأن الحداثة والنسوية اصبحتا تمثلان صدريةً جديدةً تقيّد جسد وروح المرأة.

للوهلة الأولى، يبدو الكتاب في حججه العلمية والتجريبية رجعياً، خصوصاً في دحضه لادعاءات النسوية.

يقول الكتاب إن المرأة لم تتحرر بفعل التقدم خلال القرن المنصرم، بل أضيفت إليها معاناة اضافية، وإن النسوية قامت ضداً للرجل وجعلت في الوقت نفسه من الرجل معياراً لما يجب أن تكون عليه المرأة، متجاهلةً حقائق بيولوجية حول الاختلافات الجسدية والنفسية بين الرجل والمرأة.

حصيلة هذا التقدم الذي بالطبع قاد إلى تغييرات جوهريةً في حياة المرأة من حيث حصولها على حقوقها المدنية والسياسية، وبالتأكيد التعليم والطبابة وحق الاجهاض والتمرد على الوصاية على جسدها.

المرأة باتت منهكةً ونصيبها من الاعتراف أقل، بسبب تعدد المهام في داخل البيت وخارجه ومن الحمية الغذائية وتبدلات معايير الجمال. فاذا كان ذهنها قد تحرر من الهيمنة الذكورية إلا أنه وقع فريسة قبضة المجتمع ككل.

يحاجج الكتاب:
لا يمكن انكار التقدم الذي تحقق على يد النسوية، لكن ظروف المرأة صعبة. فهي مطالبة ان تكون زوجةً مثاليةً، امراةً مثاليةً، موظفةً مثاليةً، أماً مثاليةً، وجسدًا مثالياً. يلقى عليها اللوم وتنهال عليها المطالب ولا تمنح العذر. فالمرأة مطالبة بأن تكون امراةً ورجلًا في الوقت عينه.

لا يتسامح المجتمع مع التغيرات الفسيولوجية للمرأة، ويصنفها أمراضاً مثل ارهاصات سن اليأس، ولا يغفر السمنة ولا يتقبل الشيخوخة.

بل ان التغييرات أصابت العلاقات الاجتماعية: بعد الطلاق يبني الرجل (في فرنسا) حياةً جديدةً بعد متوسط ثلاث سنوات، بينما المتوسط لحياة جديدة لدى المرأة سبع سنوات. يخوض الكتاب في تفاصيل حياة المرأة من العلاقات العاطفية إلى الزواج والحمل والولادة القيصرية والانجاب والطلاق وتربية الاطفال والحياة المهنية وصولًا الى الشيخوخة.

يقوم الكتاب على مقابلات شخصية عديدة وتلمس تفسيرات منهجيةً متعددةً من الطب الى علم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة وعلم السكان والانثروبولوجيا.

الكتاب من 220 صفحة مقسم في خمسة أبواب:
شراك النسوية،
العبودية الحديثة،
الصدرية غير الظاهرة،
شخصيات نسائية،
نهاية الصدرية الخفية.

اثار الكتاب جدلًا كبيرًا حال صدوره بين الموافقة والرفض.

مصطفى ناجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى