تعبنا من البعض …
بقلم الدكتور / امين عبدالخالق العليمي:

لا تسألني عن الوفاء، فهو في الكتب والكتابات أجمل من أن يُصدَّق، وفي القصائد أصدق من أن يُكذَّب، وفي الحكايات أبهى من أن يُعاش، أما على أرض الواقع، فقد أصبح عند كثيرين مجرد إيحاء، وفهلوة، ومهارة في صناعة المواقف بحسب اتجاه الريح،

نتحدث عن الوفاء كثيراً، ونكتب عنه أكثر، ونرفع له رايات المديح، ثم إذا جاءت لحظة الاختبار الحقيقي، انكشف المعدن، وسقطت الأقنعة، وبقي الإنسان وحده أمام حقيقة لا تجامل أحداً، الوفاء ليس كلاماً يُقال، وإنما موقف يُدفع ثمنه،

في زمن المصالح المتحركة، أصبح بعض الناس أوفياء ما دامت المصلحة قائمة، وأصدقاء ما دام الطريق مفتوحاً، وحلفاء ما دام ميزان القوة يميل لصالحهم، فإذا تغيرت الظروف، تغيرت الوجوه، وتبدلت اللغة، وأعيدت كتابة التاريخ في ليلة واحدة،

والأغرب من ذلك أن بعضهم لا يخونك دفعة واحدة، بل يمنحك كل يوم جرعة صغيرة من الخذلان، حتى تستيقظ ذات صباح فتكتشف أن الشخص الذي كنت تظنه سنداً، كان في الحقيقة مجرد عابر طريق أتقن ارتداء ثوب الصديق، لكن الإنصاف يقتضي ألا نظلم الجميع،

فما زال في هذه الأرض رجال إذا قالوا فعلوا، وإذا عاهدوا وفوا، وإذا حضروا حضروا بالموقف لا بالكلام، وإذا غابوا بقي أثرهم شاهداً عليهم، رجال لا يحتاجون إلى إعلان وفائهم، لأن مواقفهم تتحدث عنهم، ولا يحتاجون إلى قسمٍ طويل، لأن تاريخهم أقصر طريق إلى تصديقهم،

والوفاء الحقيقي لا يظهر في أيام الرخاء، فالكل يستطيع أن يكون وفياً عندما تكون الدنيا مبتسمة، والطرق ممهدة، والمصالح متبادلة،

الوفاء يُعرف عند الاختلاف، وعند الضيق، وعندما تتغير الموازين، وعندما يصبح بإمكان الإنسان أن يتخلى عنك دون أن يخسر شيئاً،

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي،

وفي السياسة، يصبح الأمر أكثر تعقيداً، فالدول لا تبني علاقاتها على العاطفة وحدها، والسياسة لا تعرف الصداقة المطلقة ولا الخصومة الأبدية، وإنما تعرف المصالح، والتوازنات، والعهود، والاتفاقات، وحسابات الأمن والاستقرار، لكن السياسة الرشيدة لا تعني الغدر، والواقعية لا تعني الانتهازية، والبراغماتية لا تعني أن يصبح الإنسان بلا ذاكرة ولا مبدأ، فالدولة التي تحفظ عهودها تكسب ثقة شركائها، والسياسي الذي يحترم كلمته يبني رأس مال سياسياً لا تستطيع الخزائن شراءه، والمؤسسة التي تلتزم بما تقول تصبح أكثر هيبة من مؤسسة تملك القوة ولا تملك المصداقية، إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات ليس اختلاف المصالح، فاختلاف المصالح سنة من سنن الحياة، وإنما أن يفقد الناس الثقة في معنى الكلمة، وفي قيمة العهد، وفي صدق الموقف، حينها لا يعود أحد يصدق أحداً، ولا يعود الوعد وعداً، ولا يصبح الاعتذار إصلاحاً، ولا المصافحة بداية صفحة جديدة، بل تتحول الحياة العامة إلى سوق مفتوح للمزايدة، ويصبح أكثر الناس براعة هو أكثرهم قدرة على تغيير مواقفه دون أن يشعر بالخجل، ومع ذلك، لا ينبغي للإنسان أن يتحول إلى نسخة من الذين خذلوه، فإذا خانك أحدهم، لا تجعل الخيانة فلسفتك، وإذا غدر بك أحدهم، لا تجعل الغدر طبعك، وإذا باعك أحدهم في أول منعطف، فلا تبع نفسك لتثبت أنك قادر على البيع،

ابقَ وفياً، ولكن لا تكن ساذجاً،

سامح، ولكن لا تُلغِ ذاكرتك،

أحسن الظن، ولكن لا تُسلّم عقلك، افتح قلبك، ولكن احتفظ بمفاتيحه، وأعطِ الناس فرصاً، ولكن اجعل أفعالهم هي التي تحدد مقدار الثقة التي يستحقونها،
فالوفاء ليس أن تبقى إلى جوار شخص مهما فعل، وإنما أن تكون صادقاً مع نفسك ومبادئك، وأن تعرف متى يكون البقاء وفاءً، ومتى يصبح الانسحاب احتراماً للكرامة، ولعل أجمل تعريف للوفاء أنه أن تظل إنساناً حين يمنحك الآخرون كل الأسباب لكي تتخلى عن إنسانيتك،

أما أولئك الذين أتقنوا الفهلوة، وغيروا مواقفهم بتغير المصالح، فلا حاجة لنا بمحاكمتهم، فالأيام أكثر عدلاً من البشر، والتاريخ لا يحفظ الأقنعة طويلاً،

سيأتي يوم تُسأل فيه المواقف عن أصحابها، وتُسأل الكلمات عن صدقها، ويُسأل العهد، من الذي حفظك حين كان يستطيع أن ينقضك؟

عندها لن تنفع البلاغة، ولن تنقذ الفهلوة أحداً، ولن يكون للإنسان إلا ما صنعه في لحظات الاختبار، لذلك…

لا تسألني عن الوفاء، حدثني عن المواقف، فالكلمات تستطيع أن تصنع صديقاً في دقيقة، لكن المواقف وحدها تستطيع أن تصنع وفياً لعمر كامل، وربما كان الوفاء اليوم نادراً، نعم…

لكن ندرته لا تعني أنه مات، ففي كل زمن، مهما كثرت الأقنعة، يبقى هناك رجال لا تغيرهم المصالح، ولا تكسرهم العواصف، ولا تجعلهم الأيام يبيعون من وقف معهم يوماً، وهؤلاء، وإن قلّوا، هم الذين يجعلوننا نؤمن أن الوفاء لم يمت، وإنما أصبح عملة نادرة، لا يعرف قيمتها إلا من خسرها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى