حين يصبح الطريق إلى الخير مليئاً بالأشواك

د. امين عبدالخالق العليمي.

ليس أكثر إيلاماً من أن تحمل في قلبك مشروعاً للحياة، ثم تجد من يحاول أن يحوّله إلى مشروعٍ للمعاناة،

كم هو موجع أن ترى العاطش ينتظر قطرة ماء، والمريض ينتظر دواء، والطفل ينتظر مدرسة، والقرية تنتظر بصيص أمل، ثم تكتشف أن الطريق إلى كل ذلك لا تعترضه صعوبة الطبيعة، بل تعترضه قسوة النفوس حين تغيب الأمانة ويضعف الضمير،

لقد قيل إن الإنسان عدوّ ما يجهل، لكن الحقيقة الأكثر مرارة أن الإنسان قد يصبح عدوًّا لما يعلم أنه خير، إذا تعارض الخير مع مصلحة ضيقة أو منفعة عابرة،

في الفضاء الرقمي، تُقاس الأشياء بالأرقام، وتُحل المشكلات بالمنطق، وتُصحح الأخطاء بتحديث جديد، أما في الفضاء البشري، فثمة أخطاء لا يصلحها تحديث، لأنها مستقرة في العقول قبل أن تكون في الأنظمة، ومتجذرة في السلوك قبل أن تكون في النصوص،

هناك حيث تُرهق المبادرات قبل أن تبدأ، وتُستنزف الأحلام قبل أن ترى النور، ويُصبح صاحب الرسالة مطالباً بأن يدفع أثماناً لم تكن يوماً جزءاً من رسالته،

إن المأساة ليست في أن تواجه العقبات، فكل طريق عظيم تحفه العقبات، المأساة الحقيقية أن تتحول العقبة إلى قاعدة، وأن يصبح الاستثناء هو النزاهة، بينما يُنظر إلى الأمانة وكأنها بطولة نادرة، لا خلقاً طبيعياً يجب أن يسود،

وما أقسى أن يقف المخلص حائراً بين خيارين كلاهما يجرح القلب: أيتراجع فيموت الأمل في عيون الناس؟ أم يمضي فيتحمل من الأعباء ما يفوق طاقة البشر؟ إنها لحظات لا يعرف مرارتها إلا من حمل همّ الناس قبل همّ نفسه، وآثر المصلحة العامة على راحته الخاصة،

ومع ذلك… لا يزال في الأرض رجال ونساء يوقنون أن الإصلاح ليس طريقاً مفروشاً بالورود، بل طريقٌ تُسقى خطواته بالصبر، ويُكتب تاريخه بالتضحيات، هؤلاء لا تصنعهم المناصب، بل تصنعهم المبادئ، ولا يقيسون النجاح بما جمعوا لأنفسهم، بل بما تركوه من أثر في حياة الآخرين،

إن الأوطان لا تنهض بكثرة الشعارات، ولا بازدحام الخطب، ولا ببريق المناصب، تنهض حين تصبح الأمانة ثقافة، والعدالة منهجاً، وخدمة الإنسان غايةً لا وسيلة،

ولعل أكثر ما يحزن القلب أن الفساد لا يسرق الأموال وحدها، بل يسرق أعماراً، ويؤجل أحلاماً، ويطفئ في النفوس شعلة المبادرة، حتى يظن بعض الناس أن الطريق المستقيم لم يعد صالحاً للسير، لكن التاريخ يشهد أن الظلام، مهما طال، لم يمنع شروق الشمس، وأن الباطل، مهما علا صوته، يبقى عابراً، بينما تبقى الأعمال الصادقة شاهدة لأصحابها،

ولذلك، فإن أعظم مقاومة لليأس هي أن يبقى الإنسان وفياً لمبدئه، وأن يزرع الخير وهو يعلم أن غيره قد يجني الثمرة، وأن يحرس الأمانة وإن كان وحده، وأن يؤمن أن الله لا يضيع تعب المخلصين،

فإذا كان الفضاء الرقمي قد علّمنا أن لكل نظامٍ مخرجاً من الخطأ، فإن الفضاء البشري يعلّمنا أن لكل أمةٍ رجالاً ونساءً يحملونها على أكتافهم في أشد لحظات الانكسار، وأن الأمم لا يحفظها كثرة الأقوياء، بل قلة الأمناء،

ويبقى الأمل… آخر حصون الإنسان، وأول طريق الخلاص، فإذا سقط الأمل، انتصر الفساد بلا معركة، أما إذا بقي الأمل حياً في القلوب، فإن الغد يظل قادراً على أن يكتب صفحةً جديدة، مهما اسودّت صفحات الأمس .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى