ميرا والشيخ فدغم: آليات دفاع جماعية ورموز تتحول إلى فعل مقاوم والانضباط بأوامر القيادة العسكرية هو الضامن للانتصار

د. ألفت الدبعي:

تشكل حالة الالتفاف القبلي حول الشيخ فدغم لحظة فارقة في الواقع الاجتماعي والسياسي اليمني؛ فهي ليست مجرد تعبير عن تضامن ظرفي، بقدر ما هي تجسيد لعملية تعبئة رمزية ضد حالة القهر والاستبداد التي فرضتها جماعة الحوثي، وحالة من الرفض الجمعي لاستعادة قيم الكرامة المسلوبة.

وبرغم أني أميل إلى فهم حالة “ميرا صدام” بأنها اضطراب نفسي يُسمى في الطب النفسي بـ “مرض الضلالات”، والذي غالباً ما يكون انعكاساً لحالة القهر الاجتماعي أو الاغتراب الأسري؛ إلا أن التضامن الشعبي معها أو مع الشيخ فدغم ليس سوى آلية دفاع جماعية تفاعل معها الشعب ليس كتعبير عن الحقيقة كما هي، بقدر ما مثلت تعبيراً جلياً عن “الحقيقة الوظيفية” للرمز، الذي تمثل في تحويل “ميرا” في المخيال الشعبي إلى أيقونة تعبر عن المظلومية، والشيخ فدغم الساعي لرفع الظلم عنها كأيقونة للكرامة.

وما تماهي المواطن اليمني مع هذه القضية إلا كنوع من التنفيس النفسي عن تراكمات القمع والقهر التي واجهها مجتمعنا اليمني، وهنا لا يصبح الهدف من التفاعل الشعبي إثبات النسب، بقدر ما هو فعل مقاومة يهدف إلى كسر هيبة السلطة الاستبدادية التي يمثلها الحوثي.

ورغم أهمية فعل المقاومة هذا على طريق الخلاص وإحلال السلام، إلا أننا نجد أنفسنا نقع في محنة جديدة بين “شرعية العرف القبلي” و”مشروعية الدولة”؛ فالأولى هي شرعية اجتماعية متجذرة تعتمد على الوجاهة والعهد والنكف وتنشط في ظل غياب أو ضعف المؤسسات، والثانية هي مشروعية الدولة، وهي المظلة القانونية التي تمنح القرار العسكري والسياسي صفة الشمولية وأعلى معايير الالتزام والانضباطية.

ومن هنا، من المهم التأكيد على أهمية ألا تتحول “مطارح الكرامة” إلى كيان موازٍ للدولة، أو تنجر إلى بؤر للفوضى والاقتتال الأهلي، وهذا يتطلب بدرجة أساسية أن تتحول هذه المطارح إلى إسناد لمؤسسات الدولة العسكرية والأمنية في فعلها المقاوم بشكل شامل، وأن تعلن رفضها الذهاب إلى أي معارك مسلحة إلا بتوجيهات وأوامر من قيادات المؤسسة العسكرية؛ كون الخروج عن ذلك يعد تهديداً لمبدأ “احتكار القوة” الذي يعد جوهر الدولة.

كما يجب أن نعرف أن المعارك الوطنية الكبرى لا تُدار بالعواطف الشعبية، بل بالتنظيم العسكري المحكم الذي يضمن استدامة القوة ويحمي النسيج الاجتماعي من الانزلاق إلى حروب أهلية داخلية. ومن هنا، ندعو الشيخ فدغم -بما أصبح يملكه من رمزية اجتماعية- ليعلن أن “مطارح الكرامة” لن تكون سوى جبهة إسناد للمؤسسة العسكرية الشرعية وقراراتها المنضبطة؛ كون الغاية الأساس هي استعادة الدولة من براثن المليشيات، وهذا لا يتحقق إلا باحترام هيبة مؤسسات الدولة، والامتثال لقرارها الاستراتيجي في التوقيت الذي تراه؛ ولأن قوة اليمن لا تكمن في تعدد مراكز القرار، وإنما في الحفاظ على واحدية القرار العسكري.

علينا أن ندرك أن نجاحنا في التحرر من استبداد جماعة الحوثي مرهون بقدرتنا على تحويل الغضب الشعبي العفوي إلى فعل مقاوم وطني منظم، تقوده مؤسسات الدولة الرسمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى