عن استهداف الحوثيين شرق المملكة.. قراءة في العقيدة السياسية لمحور طهران ووكلائها

د. لمياء الكندي:
المتابع للعقيدة السياسية والعسكرية لإيران وأذرعها، أو بالأصح عملائها في المنطقة، يجد أنها تعتمد على رصيد كبير من الثبات في السياسة المنهجية، لا تتغير بتغير الوقت، ولا تؤمن بالتحول، ولا تخضع لحسابات الربح والخسارة.
بهذه الصلابة العقائدية واجهت طهران وحلفاؤها بعدائية واضحة الدول الإقليمية، وواجهت بذات العقيدة أمريكا وإسرائيل.
في أبجدية العقيدة الإيرانية ومعسكرها، لا مجال لتغيير المعتقد والمنهاج الثوري، لا تحت التأثير السياسي، ولا الضغط العسكري، ولا المكاسب التفاوضية، ولا إغراءات أخرى، فوحدة الغاية والهدف هي المنطلق الثابت الذي لا يخضع لحسابات السياسة، وحتى لنتائج الحرب بالنسبة إليهم.
فمن الممكن أن تخسر طهران وعملاؤها جولات عسكرية من الحرب، لكنها لا تسمح بأي خسارة تمس عقيدتها العسكرية والسياسية، لهذا تجد إيران وأذرعها تتقبل الضربات العسكرية وتتحمل التهديد، لكن تبقى عقيدتهم القتالية ثابتة. قد تضطر إلى المناورة السياسية، وقد تتحمل خسارة عسكرية، لكن ثبات الموقف العقائدي والمنهجي هو الذي ما زال يحافظ عليها، وما زال يصورها بأنها قوة عصية على الهزيمة، بل إن تماسكها العقائدي، الذي يوجه تحركها السياسي ويضبطه، هو الذي يعكس للعالم ولأنصارها وأذرعها أنها ما تزال قوة قادرة على فرض التغيير في المنطقة بشكل يضمن بقاءها وبقاء حلفائها، رغم خسائرها الكبيرة.
كل يوم يظهر لنا الرئيس الأمريكي ليخبرنا أنه وجه لإيران ضربات غير مسبوقة، وما زال الرجل يحسب الحرب من منطلق الخسارة المادية والتكلفة العسكرية، وهذا أمر طبيعي إذا كان يواجه دولة بمعنى الدولة الحديثة، وما زالت إيران تقول له: أنت عاجز عن تدميرنا، بل وتستعرض قوتها وتهدد بأوراق عسكرية تستخدمها بين حين وآخر، كالميليشيات في اليمن والعراق ولبنان، لإيصال رسائل القوة والتأثير والتهديد.
هكذا تسعى إيران لقلب معادلة الخسارة العسكرية التي مُنيت بها إلى نصر يوحي للعالم أنها بالفعل ما زالت تمتلك القوة، وقادرة على الانتصار على أمريكا، وأنها هي التي ترسم السياسات العسكرية والأمنية في المنطقة، وعلى دول الجوار ودول الخليج العربي أن تقبل بمعادلة التفوق والنصر والصمود للمحور الإيراني، وهو سلوك حربي دعائي تحاول من خلاله أن تجبر أمريكا ودول الخليج على تقديم تنازلات في مسار الوضع الراهن، يقبل بإيران كجزء من معادلة الأمن الإقليمي. وهذا الأمر فعليًا يعد انتصارًا؛ لأن إيران، عبر عقيدتها السياسية الثابتة، تسعى إلى تحويل الهزيمة إلى نصر، أو على أقل تقدير إلى أداة ضغط، وفق قانون: نحن لم ننتصر، لكننا لم نهزم.
ينتهج الحوثيون في اليمن نفس العقيدة الإيرانية، ويحافظون دائمًا على ثبات الموقف المنفصل عن حساب الخسارة. بهذه العقيدة واجهوا قوات التحالف العربي، وبها واجهوا الضربات الأمريكية والبريطانية، وحتى الإسرائيلية، وتحت هذه العقيدة يكسبون المزيد من الوقت، والمزيد من الفرص، والمزيد من القوة، لكنهم يخسرون الشعب الذي يحكمونه بالقوة والقهر والغصب.
فلا يعنيهم أن يتم استهداف مقومات الدولة من موانئ ومطارات وبنى تحتية.
لا يعنيهم أي تصنيف لجماعتهم بأنها إرهابية، طالما ولديهم القدرة على التفاوض مع من يرسم السياسة الدولية.
لا يعنيهم أي مسؤولية تجاه الشعب.
فقط: نحن نبقى لنحكم، لا يهم الحديث عن الصفة التي يحكمون بها، فهم سلطة أمر واقع أسهمت السياسة الدولية الخارجية في ترسيخ جذور بقائها، ومنحها شرعية البقاء، وتنامى خطرها الإقليمي إلى الدرجة التي تصور للعالم بأنها الأخرى جماعة غير قابلة للهزيمة، وأقصى ما يمكن فعله تجاهها عدم تمكينها من نصر خارج مكان سيطرتها.
في حين أن عوامل هزيمتها اليوم تتنامى، وتبلغ مستوىً حاسمًا، إذا ما تنحى تأثير القوى الفاعلة في الملف اليمني جانبًا، وتُرك لليمنيين أمر اجتثاث هذه الحركة واقتلاعها إلى الأبد. وهناك مثل يمني يقول: “لا يدق الحجر إلا أختها”، بمعنى: لن يكسر الحوثيين إلا أبناء اليمن، جيشًا وقبائل.
يدرك الحوثي خطورة تحريك الجبهات لتحرير مناطق سيطرته، فيواجه نذر الحرب، التي تشير كل المؤشرات إلى اقترابها، بالتعامل معها بعقيدة سياسية وعسكرية ثابتة، تظهره بمظهر القوة، ويدفع بها بعض العمليات العدائية في البحر الأحمر والمملكة، بغرض تصدير المشهد الترهيبي الذي يحاول من خلاله تصدير قوته العصية على الهزيمة.
نجده يحاول فرض معادلات كبيرة على الأرض، لإرغام المملكة على التراجع عن دعمها لحرب التحرير المرتقبة.
لذا يلجأ إلى الدعاية الإعلامية والترهيب العسكري المحدود، تحت شعار: الحصار بالحصار، والحرب بالحرب، والمطار بالمطار، وتهديد البنية الإنتاجية النفطية في المملكة، فيمارس الحوثي سياسته هذه في محاولة منع قيام حرب يمنية خالصة تستهدف مناطق سيطرته.
لا يكتفي الحوثي بالتهديد وبعث الرسائل السياسية والإعلامية فقط، بل يصحبها بصواريخ ومسيّرات انتحارية يرسلها إلى المملكة بين فينة وأخرى.
يوحي الحوثيون للمملكة، من خلال تلك العمليات، أن لديهم فائضًا غير معدود من العتاد العسكري، والصواريخ الباليستية، والمسيّرات الانتحارية، التي يمكن أن تطال أي مكان في المملكة.
ويوحي لدول الإقليم بترسانته العسكرية الضخمة التي خزنها طيلة سنوات الهدنة، ويتحدث عن قدراته الخارقة.
نعم، يمتلك الحوثي صواريخ، ويمتلك مسيّرات، ويمتلك أنظمة رقابة ورصد حديثة، لكن برصيد قد يُستهلك سريعًا مع انطلاق أي معركة حقيقية بينه وبين المملكة، أو بينه وبين الجيش الحكومي. يمتلك أدوات تهديد يوظفها لأوراق عسكرية وسياسية رابحة، يناور من خلالها برسائل التهديد العسكري وبعض الضربات للمملكة، كي يحقق نتائج رادعة لأي حرب تُحضَّر لاجتثاثه.
تقوم حربه على معنويات عالية، وشحن طائفي، وعقيدة ثورية طائفية، تصحبها ضربات عسكرية محدودة للمملكة وللسفن في البحر الأحمر، كل ذلك هو عتاد الحوثي في مواجهة المملكة ومواجهة قوات الجيش الوطني.
كان الحوثيون، عند دخولهم أي مدينة أو قرية توجد فيها معارضة أو أي مقاومة لهم، يقومون بتفجير بيت هذا الشيخ وذاك، وعقب عملية التفجير تجد باقي المشائخ والقوى المحلية والمجتمعية مضطرة إلى التسليم لهم طوعًا.
وهي ذات السياسة التي يستخدمها في الضغط على المملكة؛ فبضعة صواريخ وبضعة مسيّرات هجومية يمكنها أن تجعل المملكة تخضع لهذا الواقع، وتحضر نفسها على التعامل الناعم معه.
هكذا يحسبها الحوثيون، وبهذا الإيقاع يحاولون فرض أمر واقع على أعدائهم ومحيط اليمن الإقليمي.
إنهم اليوم، رغم مظاهر القوة التي يدعونها، أكثر ضعفًا وعزلةً وكسرًا وهزيمةً من أي فترة سابقة، إنهم فقط يعتمدون على إثارة الضجيج كي يمنعوا عن أنفسهم الخطر.
وما استهداف المملكة إلا نوع من الضجيج الذي يعتقدون أن المملكة ستستجيب لنعيقه.
أطلقت ميليشيات عراقية من غرب العراق إلى شرق المملكة اليوم مسيّرات هجومية، فأعلن الحوثيون أنهم من قاموا بهذا الهجوم. إنهم، عبر هذا الهجوم، أرادوا أن يرسلوا إلى المملكة رسالة تهديد واضحة بأنها مطوقة بالأعداء، وأن دعمها لمعركة التحرير سيكلفها كثيرًا. يريد الحوثي أن يقول لها: لم نعد مصدر تهديد لجنوب المملكة، نحن مصدر تهديد يحيط بكم من كل الجهات، شرقًا وغربًا وجنوبًا. أراد الحوثي أن يوحي للمملكة أن لديه أذرعًا طويلة تمتد من العراق وغيرها ستحارب عنه إن حدثت حرب التحرير، وأنه، على غرار إيران، يملك صلاحية الردع والقوة والتأثير والهجوم، في رسالة يعتقد أنها ستكون حاسمة في تحييد موقف المملكة من دعم حرب التحرير اليمنية.
فهل سيكون تنامي الخطر الحوثي المحيط بالمملكة دافعًا لدعم حرب تحرير تقوم بها قوات الجيش الوطني كحل جذري، أم أن المملكة ستبتلع الطعم، وتقبل بترتيبات الأمر الواقع التي يحاول الحوثيون، ومعها إيران، فرضها عليها؟
ودمتم بخير.




