ماذا يعلّمنا لاوتارو؟



في الدقيقة الحادية والثمانين من ليلة أمس، و #الأرجنتين خاسرةٌ أمام إنجلترا، نهض من الدكّة مهاجمٌ يعرف الدكّة جيّدًا. وفي الدقيقة الثانية من الوقت البديل، ارتقى لعرضيّة #ميسي ووضع رأسه حيث توضع الحكايات، ثمّ قال بعد المباراة جملةً لا يجرؤ عليها إلّا الصادقون: حلمتُ بها منذ كنت طفلا. قلتُ لأليكسيس قبلها إنّني سأسجّل.

اسمه لاوتارو مارتينيز، وحياته كلّها تمرين طويل على هذه الدقيقة.
جاء من باهيا بلانكا، مدينة الرياح في جنوب لا تصله الكاميرات، ونحن أبناء المدن البعيد ندكر جحيم المركز على الهامش. المدينة التي أعطت العالم جينوبيلي في السلّة وكأنّها اختصّت بإنجاب من يصنعون المجد من الأطراف.

رفضه بوكا جونيورز، النادي الأكبر في البلاد أغلق الباب في وجه الفتى القادم من بعيد، فلم يتراجع لاوتارو، وصعد من ملاعب الحيّ إلى راسينغ. وحين بلغ الثامنة عشرة انقلبت الآية: جاء ريال مدريد يطرق بابه هو، فردّ الفتى بما لا يفعله فتيان الثامنة عشرة بـ لا كبيرة. فضّل أن ينضج في ملاعب بلاده على أن يذبل في مقاعد انتظار أوروبا. الرفض الأوّل لم يكسره، والإغراء الثاني لم يشترِه، وبينهما تعلّم الدرس الذي لا يُدرّس:
أنّ الطريق ملكك وحدك، لا لمن أغلقه ولا لمن زيّنه.

ثمّ جاء مونديال قطر، وكان جحيمه الهادئ. لعب بكاحلٍ متورّم أخفاه عن العالم وتحامل عليه بالحقن، فأهدر ما لا يُهدر وأُلغيت أهدافه بأنصاف سنتيمترات، وخسر مكانه لزميل أصغر، وصارت صوره مادّة للسخرية في البلد الذي لا يرحم مهاجميه. كان يمكن أن يتعفّن في مقعده كما يتعفّن كثيرون، أن يتحوّل الجرح ضغينةً والتهميش قطيعة. لكنّه فعل العكس: ساند البديل الذي أخذ مكانه، وحين جاءت ركلات الترجيح أمام هولندا ورفضت الأقدام الكبيرة التقدّم، تقدّم هو، المجروح والمسخور منه،  وسدّد الركلة التي عبرت بالأرجنتين. خرج بطلًا للعالم بلا هدفٍ واحد من لعب مفتوح، وهو أغرب تتويجٍ يمكن أن يعيشه مهاجم، وأقساه، وأكثره تهذيبا للروح.

ثمّ ردّ بالطريقة الوحيدة المحترمة: هدافا لكوبا أمريكا وصاحبَ هدف نهائيّها، والآن في هذا المونديال رجلَ الدقائق التي يهرب منها الآخرون. أنهى سويسرا في آخر أنفاس الوقت الإضافي، وذبح إنجلترا في الوقت البديل، وكلتاهما جاءت من الدكّة أو من صبر يشبه الدكّة.

كتبتُ في هذه السلسلة عن الميتافيزيقيا وماء الأرجنتينيّين المقدّس، وظننتها خرافة تُدار بالطقوس. لكنّ لاوتارو يكشف وجهها الآخر: حين قال “حلمتُ بها وأخبرتُ زميلي”، لم يكن يتنبّأ  كان يختصر عشرين سنةً من التحضير للحظةٍ واحدة. فالحلم الذي يتحقّق ليس نبوءة بل ذاكرة معكوسة: يحلم بالهدف من تدرّب عليه ألف مرّة في الخفاء، ويصدق حدسُه من دفع ثمن حدسه مرارا. الأقدار لا تجامل أحدا؛ لكنّها، على ما يبدو، تحفظ عناوين الذين لم يغادروا الطابور حين طال.

يعلّمنا لاوتارو أنّ بين الرفض الأوّل والرأسيّة الأخيرة مسافة اسمها الكرامة: أن تُرفض فلا تنكسر، وتُغرى فلا تُشترى، وتُهمّش فلا تحقد، وتُسخَر منك فتردّ بالعمل لا بالضجيج. ثمّ تأتي دقيقتك، ودقيقتك آتية ما دمت واقفا، فتضع رأسك حيث يجب، وتقول ببساطة: حلمتُ بها.
فوزي الغويدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى