فرصة اليمن الأخيرة : من شفا الهاوية إلى نافذة الخلاص الوطني

رواها 360 عدن اسماعيل الصنوي

إنه لمن الصعب، بل من المؤلم، أن نطرح سؤال النهوض لليمن في لحظةٍ يبدو فيها كل شيء حوله ينهار. فبينما تنشغل المنطقة بحربٍ وجوديةٍ كبرى، يقف اليمن، ذلك البلد المثخن بجراح عقد ونصف من الصراع، على شفا هاويةٍ أكثر عمقاً. غير أن هذه اللحظة الفارقة، التي أعادت فيها الحرب الإقليمية الأخيرة تشكيل موازين القوى وخلطت الأوراق، تفتح نافذةً استراتيجيةً نادرة، قد تكون فرصته الأخيرة. ففي خضم هذا الزلزال، لا تقتصر أسئلة المصير على طهران أو تل أبيب، بل تمتد لتشمل صنعاء وعدن. إنها لحظة يتعين فيها على اليمنيين أن يسألوا أنفسهم بصدق ومرارة: هل آن الأوان لينتفض اليمن، لا بالسلاح الذي أتعبه وأفقر شعبه، بل بالإرادة السياسية الجامعة، لينفض غبار الشتات والضياع والجوع، ويحول هذه المحنة الإقليمية إلى منحةٍ للخلاص الوطني؟لعل أول ما تقدمه هذه الحرب لليمن هو فرصة استعادة زمام المبادرة من الأطراف الإقليمية التي حوّلته على مدى عقد من الزمن إلى ساحةٍ لتصفية حساباتها. لقد ظل اليمن، طيلة سنواته العجاف، رهينة لحسابات لا تمت لشعبه بصلة، تتحكم فيها مصالح إقليمية متنافرة. لكن مع انشغال إيران في صراعها الوجودي المباشر مع واشنطن وتل أبيب، وتوجه أنظار العالم بأسره نحو أزمة مضيق هرمز الأكثر إلحاحاً، بدأت ملامح فك ارتباط قسري بالملف اليمني بالظهور في الأفق. فالغطاء الإيراني الذي طالما وفرته طهران للحوثيين، من تدفق مستمر للمال والسلاح والخبراء العسكريين، وهو ما مكنهم من تهديد الملاحة الدولية ودول الجوار، بات اليوم مهدداً بالتراجع والتضاؤل تحت وطأة الاحتياجات الهائلة لإعادة الإعمار وإعادة التسلح في الداخل الإيراني المثخن بالجراح. هذه الانشغالية الإقليمية، التي تدفع طهران للتركيز على بقائها أولاً، تمنح القوى الوطنية اليمنية فرصة ذهبية لتخفيف حدة التدخلات الخارجية، والعمل بجدية على إعادة تعريف الصراع الدائر على أنه شأن يمني داخلي في المقام الأول، وليس مجرد ورقة ضغط في أيدي عواصم أخرى تسعى لتحقيق مكاسبها على حساب دماء اليمنيين. وفي هذا السياق، يبدو التحرك السعودي الأخير بسحب ملف المفاوضات مع الحوثيين من يد رئيس المجلس الرئاسي وإعادة ترتيب البيت الداخلي للحكومة المعترف بها دولياً ليس مجرد مناورة بيروقراطية لتحقيق مكاسب تكتيكية، بل ربما كان مؤشراً حقيقياً على إدراك متأخر في الرياض بأن الوقت قد حان لبناء توافق يمني-يمني حقيقي، ينبع من الداخل، كبديل وحيد عن حلول مستوردة أثبتت فشلها الذريع على مدى السنوات الماضية.في موازاة ذلك، تبرز بارقة أمل من رحم الأزمة الاقتصادية العالمية الخانقة التي فجرتها الحرب، وتحديداً من خلال تعطيل الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. لقد أثبتت هذه الحرب، وبشكلٍ دراماتيكي لا يقبل الجدل، مدى هشاشة طرق التجارة العالمية واعتمادها المطلق على ممرات آمنة ومستقرة. وهنا، وفي هذه النقطة بالذات، تكمن الفرصة الاستراتيجية الأهم لليمن، فهو يسيطر بحكم موقعه الجغرافي الفريد على أحد أهم هذه الممرات الحيوية في العالم. فبدلاً من أن يظل هذا الموقع الاستثنائي لعنةً أبدية تجلب التدخلات والصراعات والجيوش الأجنبية، يمكن تحويله إلى رصيدٍ استراتيجي هائل ومصدر دخل قومي لا ينضب، شريطة أن يخرج اليمن من هذه الأزمة الخانقة بدولة موحدة وقادرة على فرض سيادتها. عبر توفير ضمانات دولية وإقليمية موثوقة لأمن الملاحة الدولية في المياه الإقليمية اليمنية، يمكن لصنعاء وعدن معاً، وفي إطار دولة واحدة، أن تفاوضا من موقع قوة غير مسبوق للحصول على حزمة ضخمة من المساعدات الإنسانية والمشاريع التنموية الكبرى التي تعيد بناء ما دمرته الحروب. هذا النوع من “الابتزاز الإيجابي” لموقع اليمن الاستراتيجي لا يمكن أن ينجح إلا إذا قدم اليمنيون أنفسهم للعالم كطرف فاعل ومسؤول وقادر على ضبط الأمن في المنطقة، وليس كساحة مستباحة تتنازعها الميليشيات والعصابات. فكما يهدد استمرار غياب الدولة اليمنية الفاعلة بجعل مضيق باب المندب قاب قوسين أو أدنى من الاضطراب الدائم الذي يهدد 15% من حركة التجارة العالمية، فإن ظهور دولة فاعلة وقوية سيحوله إلى بوابة حقيقية للاستثمار والازدهار لليمن والمنطقة بأسرها.وعلى المستوى الداخلي، أوجدت هشاشة اللحظة الراهنة ضغطاً غير مسبوق على جميع الأطراف اليمنية المتصارعة، وخصوصاً على جماعة الحوثي. فهم يجدون أنفسهم اليوم أمام مفترق طرق صعب ومعقد، لم يعهدوه من قبل. فمن ناحية، أدركت قياداتهم في صنعاء أن كلفة الانخراط المباشر في الصراع الإقليمي باهظة جداً، وقد تكون وجودية، لا سيما بعد الضربات الجوية المدمرة التي استهدفت موانئ الحديدة والبنية التحتية في مناطق سيطرتهم، مما عمق الأزمة الإنسانية وأضعف قبضتهم. ومن ناحية أخرى، ثمة تيار داخل الجماعة يدرك تماماً أن أي تراجع واضح عن المواجهة قد يُفقدها موقعها المميز ودورها الوظيفي في معادلة “محور المقاومة” بعد أن تضع الحرب أوزارها وتعيد إيران حساباتها. هذا الانقسام الداخلي المحتمل داخل صفوف الجماعة، والذي قد يُضعف تماسكها، يجب أن يُقرأ في عدن وصنعاء على أنه لحظة مناسبة لطرح مبادرة سلام شاملة لا تقصي أحداً، وتفتح الطريق أمام حل سياسي مستدام. ففي الوقت الذي يبارك فيه الحوثيون علناً اتفاق التهدئة بين أمريكا وإيران واصفين إياه بـ”الانتصار التاريخي”، يدرك الجميع في الداخل والخارج أن هذا “النصر” المزعوم هش ومؤقت. إن استثمار هذا الزخم السياسي والعسكري لدفعهم نحو تسوية سياسية حقيقية، قائمة على أسس المواطنة المتساوية والتداول السلمي للسلطة، قد يكون ممكناً الآن أكثر من أي وقت مضى.

غير أن كل هذه الفرص ستبقى مجرد حبر على ورق، وستذروها رياح الخذلان من جديد، ما لم تقترن بتحرك عاجل وجاد لمواجهة الكارثة الإنسانية التي تطحن عظام اليمنيين وتفتك بأحلامهم. فلا يمكن الحديث عن “انتفاضة” سياسية تغير الواقع بينما يعيش ثلثا السكان، أي نحو 21.6 مليون إنسان، في حالة هشاشة إنسانية حادة، في ظل اقتصاد منهار فقد أكثر من نصف قيمته وانكماش متواصل في الناتج المحلي لا يبدو أنه سيتوقف قريباً. وهنا، يجب أن تتحول أولوية المجتمع الدولي والإقليمي من مجرد إدارة الأزمة وتدويرها إلى حلها بشكل جذري. يجب أن تقترن أي محادثات سلام أو هدنة بخارطة طريق اقتصادية واضحة وملزمة، تبدأ بوقف إطلاق النار الشامل، ورفع القيود كافة عن الموانئ اليمنية، وصرف رواتب الموظفين المدنيين في جميع أنحاء البلاد دون تمييز، وتنتهي بمشروع قومي ضخم لإعادة الإعمار يوظف العمالة اليمنية العاطلة ويحرك عجلة الاقتصاد الراكدة ويمنح الشباب أملاً في غدٍ أفضل.
في المحصلة، لم يعد أمام اليمن ترف الانتظار أو خيار البقاء أسيراً للمشاريع الخارجية وأجنداتها المتقلبة. الحرب الإقليمية، بكل ما تحمله من دمار ومخاطر ومآسٍ، قدمت له مرآة قاسية رأى فيها حقيقة وضعه المأساوي دون رتوش، لكنها أيضاً منحته فرصة نادرة لتغيير هذا الواقع الكارثي. إن انتفاضة اليمن المطلوبة اليوم ليست انتفاضة السلاح التي أكلت الأخضر واليابس، بل هي انتفاضة الوعي الوطني الذي يتجاوز الجراحات المناطقية والعصبيات الطائفية المقيتة، وانتفاضة الإرادة السياسية الحرة التي تمسك بزمام المبادرة لانتزاع تسويةٍ عادلة من رحم الأزمة، قبل أن يضيع كل شيء. إنها فرصة سانحة حقاً، تشبه تلك النافذة التي تفتح فجأة في جدار الزمن المغلق، لكنها كطيفٍ عابر، إن لم تمسك بها الأيدي اليمنية المخلصة اليوم بكل قوة، فقد لا تتكرر غداً، وقد يصبح السقوط في الهاوية قدراً لا مفر منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى