جواد النابهي : أيلول” حين تصير الأم وطنً لا يغيب

كتب : جواد النابهي

لم يكن أيلول وحيدًا في تلك اللحظات التي تتكاثف فيها البرودة ويشتد فيها صمت الليل، وتغدو حجارة مدارب السيل أكثر قسوة من إحتمال قلب صغير، كان هناك خيط خفي من الدفء، يمتد من قلب أمٍ لم تعرف كيف تترك صغيرها، حتى حين بدا أن المسافات بين الحياة والموت قد اتسعت بلا رحمة.

“دينا” لم تكن مجرد أمٍ تراقب من بعيد، بل كانت حضورًا كاملًا، يحيط بابنها كأنها ظله الذي لا ينفصل؛ لم تتركه لبرد الماء، ولم تسلمه لوحشة العتمة، بل ظلت تناجيه في صمتٍ يسمعه القلب قبل الأذن: “يا صغيري لست وحدك.”

وفي خضم البحث والقلق، لم تكن “دينا” تنتظر خبرًا بقدر ما كانت تصنع يقينها بنفسها؛ تمشي مع فرق البحث والإنقاذ ومعهم سيلٌ جرار من المواطنين خطوة بخطوة، كأن الأمومة بوصلة لا تخطئ الطريق، لم يكن ذلك عنادًا، بل كان إيمانًا عميقًا منها بأن الرابط بين الأم وطفلها أقوى من كل غياب، وأصدق من كل ظنون.

وحين جاءت اللحظة التي ينكسر فيها الزمن، لم تتركه أيضًا، احتضنته كما لو أنه ما زال دافئًا بين يديها، معفرًا بتراب الأرض التي شهدت آخر أنفاسه، غسلت وجهه بدموعٍ لم تكن مجرد حزن، بل طقس وداعٍ مهيب، يعيد للروح شيئًا من صفائها، ويمنح الفقد معنى لا يُقال.

عاد “ايلول” لكن هذه المرة ليس كسابقته، بل عاد في تابوتٍ يشبه السماء، محمولًا على أكتاف الحنين، ومكللًا بحبٍ لم ينقطع؛ لم تكن عودته نهاية، بل بداية حكاية أخرى، حكاية أمٍ تُعِدّ لابنها عُرسًا ملائكيًا يليق ببراءته، وكأنها تقول للعالم: “إن الرحيل لا يُلغي الجمال، بل يكشفه في صورةٍ أخرى”.

في صلابة “دينا” كان هناك حنان لا ينكسر، وفي حنانها كانت صلابة تليق بالأمهات حين يُمتحن القلب؛ ذلك الحُزن لم يكن مجرد انكسار، بل كان حُزنًا بطوليًا نبيلًا، يرفع الفقد إلى مرتبة المعنى، ويجعل من الدموع شهادة حبٍ لا تزول.

الرحمة لـ ايلول، ابن الماء، الذي صار اسمه صلاة، والصبر لقلب أبويه، حيث يسكن الألم، ويقيم الحب إلى الأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى