فلم مندوب الليل.. حين تشبهنا الشاشة أكثر مما ينبغي

مندوب الليل.. حين تشبهنا الشاشة أكثر مما ينبغي
صابر الجرادي
من اول الفلم بعد أن أضاءت الشاشة، بدا أن الرجل الذي يمشي في شوارع الرياض ليلا يعرفنا أكثر مما ينبغي.
لا أعرف إن كان المخرج يقصد ذلك، لكن بطل لم يبدُ لي كشخصية تعيش في مدينة أخرى. كان يشبه كثيرين أعرفهم، وكثيرين أصادفهم كل يوم، وربما يشبه بلدا كاملًا يحاول أن يمر من أيامه بأقل قدر ممكن من الخسائر.
يتحدث عننا حين يمشي البطل وراء رزقه ، ويطارد يومه كما نطارد أيامنا. لا ينتظر انتصارا كبيرا، ولا حلما استثنائيا.
فقط يحاول أن يبقي حياته واقفة على قدميها يوما إضافيا..
في الأفلام عادة نبحث عن البطل، أما هنا فقد بدا الجميع أبطالا مهزومين قليلا..
المدينة مضاءة، لكن الناس يمشون في عتماتهم الخاصة، الرياض اعرفها مدينة صاخبة مزدحمة، لا تسمح لك أن تلتقط أنفاسك وإن فعلت وتوقفت، أفقت على تلك الرؤس وقد سبقتك سنين ضوئية..
في الفلم بدأ أن التعب لا يأتي من حدث واحد، بل من تراكم التفاصيل الصغيرة؛ من الطرق الطويلة، والفرص الضيقة، والأسئلة التي لا تجد جوابا، ومن ذلك الشعور الذي يعرفه أبناء هذه البلاد جيدا: أن تبذل جهدا كبيرا فقط لكي تبقى في مكانك،كما جسده الفلم..
بعد انتهاء العرض بدأت المناقشات حول الصورة والسرد والإخراج، لكن شيئا آخر ظل عالقا في ذهني.
كم تتشابه المدن العربية حين يضيق العيش بأهلها.
تتغير أسماء الشوارع، وتختلف اللهجات، لكن القلق نفسه يعبر الوجوه، والتعب نفسه يسكن الأكتاف، والرغبة نفسها في الوصول إلى حياة أكثر رحمة.
لهذا لم أشاهد الفيلم كحكاية عن مندوب توصيل في الرياض.
شاهدته كحكاية عن أناس كثيرين يمشون في الليل منذ سنوات طويلة، ويحاولون الوصول، بينما الطريق يطول أكثر كلما اقتربوا منه.
منهم من بقي هنا ومنهم من حاول الهرب إلى هناك في السعودية ولكنهم يشبهون البطل كثيرًا..
أما بالنسبة للفلم فهو: من الأفلام التي تستحق الإشادة فعلًا. فيلم استوفى شروطه الفنية دون ضجيج، واعتمد على بناء هادئ ومتقن جعل الحكاية تمضي بثقة حتى نهايتها.
أعجبني في رؤية المخرج أنه قدم التحولات الاجتماعية بذكاء ودون مباشرة. كانت حاضرة في الخلفية، تُرى في التفاصيل اليومية وفي شكل العلاقات والمدينة، لا كشعارات أو رسائل صريحة تبحث عن انتباه المشاهد.
كما نجح محمد الدوخي في تقديم شخصية “فهد”؛ ذلك الرجل الذي يبدو أن بينه وبين النجاح أو الاستقرار خطوة ناقصة دائمًا، فيظل عالقًا في منطقة رمادية بين ما يريده وما يستطيع الوصول إليه.
وكان فيلم” مندوب الليل” آخر عروض شهر السينما السعودية ضمن برنامج “سينما الأربعاء” في تعز، الذي نظمته مؤسسة أرنيادا للتنمية الثقافية وبيت الصحافة بالشراكة مع “بن كاست”. وقد أعقب العرض نقاش مفتوح حول الفيلم وتجربة الشهر السينمائي، مع التأكيد على استمرار العروض والانفتاح على تجارب سينمائية جديدة خلال الأشهر القادمة.






