جيل على حافة الضياع الغش المدرسي والطائفية وإهمال الدولة ثلاثية تهدد مستقبل اليمن

بقلم / وليد الجبزي :

لم تعد ظاهرة الغش في امتحانات الصف الثالث الثانوي مجرد سلوك فردي يمارسه بعض الطلاب سعياً للحصول على درجات مرتفعة بل تحولت إلى ظاهرة خطيرة تهدد مستقبل جيل بأكمله، وتنذر بإنتاج أجيال تعاني من الضعف المعرفي والهشاشة الفكرية والعجز عن بناء الوطن.

فالغش لا يصنع طبيباً ناجحاً، ولا مهندساً كفؤاً، ولا معلماً قادراً على أداء رسالته، بل يخلق أفراداً يحملون شهادات لا تعكس مستوى حقيقياً من المعرفة والمهارات، مما يجعل المجتمع بأسره يدفع ثمن هذه الممارسات الخاطئة.

ظاهرة قديمة.. لكنها تفاقمت مع الحرب

صحيح أن الغش ليس وليد اليوم  فقد عرفته المؤسسات التعليمية منذ عقود، إلا أن ما تشهده اليمن اليوم من انتشار واسع لهذه الظاهرة يمثل مرحلة غير مسبوقة من الانحدار التربوي.

فمنذ انقلاب الحوثي على السلطة وما أعقبه من انقسام في مؤسسات الدولة، أصبح التعليم أحد أبرز ضحايا الحرب، وتباينت مظاهر انهياره بين مناطق سيطرة الجماعة والمناطق المحررة، لكن النتيجة النهائية واحدة: جيل يدفع ثمن الصراع.

التعليم في مناطق الحوثيين.. صناعة الوعي الطائفي

في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثي، لم يعد التعليم مجرد عملية لبناء الإنسان وتزويده بالمعرفة، بل أصبح وسيلة لغرس الأفكار الطائفية والعقائدية التي تتناقض مع قيم المواطنة المتساوية والهوية الوطنية الجامعة.

وأصبحت بعض الامتيازات التعليمية مرتبطة بمدى الالتزام بأفكار الجماعة أو المشاركة في دوراتها الفكرية، بينما يتم منح فرص ومقاعد في بعض الجامعات الحكومية وفق اعتبارات لا تعتمد دائماً على معيار الكفاءة والاستحقاق الأكاديمي.

إن تحويل التعليم إلى أداة للتعبئة الفكرية يشكل خطراً حقيقياً على حاضر اليمن ومستقبله، لأن الأوطان تُبنى بالعلم والانفتاح وقبول الآخر، لا بالتعصب والانغلاق.

المناطق المحررة.. الإهمال يفتك بالتعليم

أما في المناطق المحررة، فإن الأزمة تأخذ شكلاً آخر لا يقل خطورة. فالحكومة تبدو عاجزة عن إعطاء التعليم الأولوية التي يستحقها، في ظل تأخر رواتب المعلمين وعدم كفايتها لتغطية أبسط متطلبات الحياة، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على جودة العملية التعليمية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل اتساع دائرة الغش في الامتحانات، حتى بات يُنظر إليه من قبل البعض كوسيلة طبيعية للنجاح  في ظل ضعف الرقابة وتراجع هيبة المؤسسات التعليمية.

إن استمرار هذا الواقع يعني إنتاج أجيال تفتقر إلى الحد الأدنى من التأهيل العلمي الحقيقي  وهو ما ستكون له انعكاسات خطيرة على مختلف القطاعات مستقبلاً.

بين الطائفية والإهمال.. من ينقذ مستقبل اليمن؟

يقف الطالب اليمني اليوم بين مطرقة التوجيه الطائفي في مناطق سيطرة الحوثيين، وسندان الإهمال الحكومي في المناطق المحررة. وبين هذا وذاك، تتعرض العملية التعليمية لضربات متتالية تهدد بإنتاج جيل يعاني من ضعف التفكير النقدي، وهشاشة البناء العلمي، وغياب الكفاءة اللازمة للمساهمة في إعادة بناء الوطن.

إن أخطر ما تفرزه الحروب ليس الدمار المادي فقط، بل تدمير الإنسان ذاته، وتجريده من أدوات المعرفة والوعي التي تمكنه من صناعة المستقبل.

التعليم مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل

إن مواجهة ظاهرة الغش تتطلب إرادة حقيقية تبدأ بإصلاح المنظومة التعليمية، وتحسين أوضاع المعلمين، وتعزيز الرقابة على الامتحانات، وترسيخ قيم النزاهة والاعتماد على الذات لدى الطلاب.

كما أن حماية التعليم من التسييس والتوظيف الطائفي تمثل ضرورة وطنية ملحة، لأن المدرسة يجب أن تكون مساحة للعلم والتنوير، لا ساحة للصراعات والأيديولوجيات الضيقة.

مستقبل اليمن يبدأ من قاعة الدراسة

اليمن الذي أنهكته الحرب يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الاستثمار في الإنسان. فإعادة بناء المدارس أسهل من إعادة بناء العقول التي أفسدها الغش أو شوهتها الأفكار المتطرفة.

وبين طائفية تعبث بمضامين التعليم وإهمال حكومي يترك المؤسسات التعليمية تواجه مصيرها وحدها يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً.

أي مستقبل ينتظر وطناً يُسمح فيه بتدمير التعليم، بينما يُفترض أن يكون هو طوق النجاة الأخير؟

إن إنقاذ التعليم لم يعد خياراً  بل ضرورة وطنية عاجلة، لأن الأوطان لا تنهض إلا بأبنائها والأبناء لا يصنعهم إلا تعليم حقيقي يقوم على العلم والنزاهة والانتماء للوطن قبل أي انتماء آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى