حين يطول الإنتظار

بقلم د. أمين عبدالخالق العليمي:
ليست كل الخيبات تأتي من الأعداء، فبعضها يولد في المسافة الفاصلة بين الثقة والواقع، وبين الوعد والإنجاز، وبين ما نحلم به وما نصحو عليه كل صباح، هناك لحظات لا يشعر الإنسان فيها بأنه خسر معركة، وإنما يشعر أنه استهلك عمراً كاملاً وهو يركض في الاتجاه نفسه، يحمل الإخلاص في قلبه، والأمل في يديه، والصبر في خطواته، ثم يلتفت خلفه فيكتشف أن الطريق أطول مما كان يتصور، وأن ما بذله من تضحيات لم ينعكس بعد على حياته ولا على مستقبل أبنائه،
وهذه ليست قصة فرد، بل قصة شعوب كثيرة آمنت بأن الغد سيكون أفضل، فصبرت على الشدائد، وتجاوزت الأزمات، وتحملت أعباءً لم تكن لتتحملها لولا أنها كانت ترى في نهاية الطريق وطناً أكثر عدلاً، ودولة أكثر قوة، وحياة أكثر كرامة،
لكن الأوطان، مثل الإنسان، تمرض حين تغيب عنها الإدارة الرشيدة، ويثقلها الفساد، وتنهكها الصراعات، وتضيع أولوياتها بين المصالح الضيقة والشعارات الكبيرة، وعندها يصبح الانتظار ثقيلاً، ويصبح الصبر امتحاناً يومياً، ويصبح الأمل نفسه بحاجة إلى من يحميه من الانكسار،
إن الشعوب لا تطلب المعجزات، ولا تبحث عن الرفاهية المطلقة، وإنما تريد أن تشعر بأن تعبها ليس عبثاً، وأن تضحياتها تجد من يصونها، وأن سنوات الصبر تقود إلى غدٍ أفضل، لا إلى دائرة جديدة من الوعود المؤجلة،
ولعل أخطر ما يصيب أي مجتمع ليس الفقر ولا قلة الإمكانات، وإنما فقدان الثقة، فعندما يضعف الإيمان بأن الغد سيكون أفضل من الأمس، يبدأ اليأس في التسلل إلى النفوس، ويصبح الإنسان حاضر الجسد، غائب الروح، يؤدي واجباته، لكنه فقد ذلك الشغف الذي يصنع الحضارات،
ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن الأمم العظيمة لم تُبنَ في أوقات الرخاء وحدها، بل خرجت من رحم المعاناة، بعد أن أدركت أن انتظار التغيير لا يصنع التغيير، وأن الأمل الحقيقي ليس أمنية تُردد، بل عمل يُنجز، وإرادة لا تنكسر، ومسؤولية يتقاسمها الجميع،
إن الوطن لا يحتاج إلى مزيد من الخلاف بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الحكمة، ولا إلى كثرة الوعود بقدر ما يحتاج إلى صدق التنفيذ، ولا إلى أصوات مرتفعة بقدر ما يحتاج إلى ضمائر يقظة تدرك أن خدمة الناس هي أسمى صور المسؤولية،
وحين تتحول المسؤولية إلى أمانة، والعمل إلى ثقافة، والعدل إلى منهج، يصبح الانتظار بدايةً للأمل لا عنواناً للخذلان، وتتحول التضحيات التي أثقلت كاهل الناس إلى جسور تعبر بها الأوطان نحو مستقبل أكثر استقراراً وكرامة،
فالأوطان لا تنهض بالصبر وحده، ولا بالمحبة وحدها، وإنما تنهض حين يلتقي الإخلاص بالحكمة، والإرادة بالفعل، والطموح بالعمل، وعندها فقط، يدرك الإنسان أن كل ما تحمّله من عناء لم يذهب سدى، وأن الطريق، مهما طال، كان يقود إلى غاية تستحق الوصول .





