«شمس المعارف» في تعز: حين تحاول السينما استعادة الحياة العامة

<span;>«شمس المعارف» في تعز: حين تحاول السينما استعادة الحياة العامة
صابر الجرادي
<span;>السينما في مدينة تعز اليمنية مسألة تتجاوز النشاط الثقافي العابر، إنها محاولة لاستعادة الحياة العامة، وجمع الناس حول قصة بدلًا من الكارثة.
<span;>الشاشة التي أضاءت مدينة متعبة
<span;>ذهبتُ اليوم إلى العرض السينمائي في بيت الصحافة، وأنا أشعر أنني أتجه نحو نافذة كانت مغلقة منذ وقت طويل ثم فُتحت فجأة في غرفة تتنفس بصعوبة.
<span;>نزلتُ من الباص في جولة الإخوة، مشيتُ قليلًا ثم صعدتُ نحو 87 درجة حتى وصلتُ إلى قاعة العرض. هناك شعرتُ مرة أخرى أنني أتحرك لملاقاة شيء قديم تأخر كثيرًا في العودة.
<span;>في الخارج كانت تعز غارقة في يومها المعتاد؛ صخب، حركة دراجات نارية، وباعة يطاردون آخر النهار. لكن داخل القاعة كان الصمت مختلفًا، حاضرون بلهفة ننتظر شيئًا منفصلًا عن تفاصيل الحرب وأسعار الصرف.
<span;>فجأة انطفأت إضاءة القاعة.
<span;>عشر سنوات من الخراب، وها هي تعز تستعيد شكلها القديم.
<span;>هكذا قلتُ لنفسي قبل بدء العرض السينمائي.
<span;>ربما لهذا لا تبدو السينما، في مدينة مثل تعز، مجرد نشاط ثقافي عابر. السينما هنا ليست رفاهية، بل محاولة لاستعادة الحياة العامة نفسها؛ استعادة فكرة أن يجلس الناس معًا حول قصة، لا حول كارثة.
<span;>في المدن الخارجة من الحرب يصبح الاجتماع البشري فعلًا نادرًا. الناس يلتقون لأنهم مضطرون لا لأنهم يريدون ذلك؛ يلتقون في طوابير الماء، وفي طوابير الغاز، وفي المكاتب التي تؤجل رواتبهم، وفي الأسواق التي ترتفع أسعارها كل أسبوع. أما أن يجلسوا داخل قاعة مظلمة لمشاهدة فيلم، فهذا يحدث خارج منطق الضرورة اليومية، ولهذا يكتسب معناه العميق.
<span;>السينما كإحساس بالحياة المشتركة
<span;>بفعل الحرب أصبح هناك شيء يتآكل بصمت داخل المدن. هكذا تفعل الحروب، تقتل الإحساس بالحياة المشتركة، وتضيق المساحات التي يلتقي فيها الناس كبشر.
<span;>تختفي الأماكن التي يمكنها أن تجمع أكثر من غريب؛ المسارح، المنتديات، السينما، والمقاهي الثقافية، وبفعل الحرب يتحول الاجتماع البشري في المدن إلى ضرورة مرتبطة بالبقاء؛ طوابير الماء، البحث عن الغاز، ومتابعة آخر أخبار سعر الصرف والراتب، أماكن ضرورية تبقيهم على قيد الحياة.
<span;>من هنا يكتسب مشهد الحضور لعرض سينمائي في تعز أهمية خاصة، بوصفه استعادة لشيء غائب.
<span;>وهذه الفكرة تبدو قريبة من قول المخرج السويدي إنغمار بيرغمان (Ingmar Bergman): «السينما هي لغتي في مخاطبة الروح». فالسينما، في جوهرها، لا تمنح الإنسان الصور فقط، بل تمنحه الإحساس بأنه يعيش داخل دفء جماعي، ولو لساعتين.
<span;>وهذا ما حدث فعلًا.
<span;>تكوّن الحضور من طلاب، شبان، وأصدقاء قادهم الفضول ورغبة عيش أمسية مختلفة. بعضهم يعرف الفيلم من قبل، وبعضهم شاهد عشرات الأفلام عبر شاشات الهواتف الذكية دون أن يعيش تجربة المشاهدة الجماعية داخل قاعة مظلمة مع غرباء.
<span;>هكذا تفعل السينما؛ تصنع جمهورًا من أشخاص مختلفين، وتجعلهم يضحكون أو يحزنون في اللحظة نفسها، يصمتون معًا أمام مشهد واحد، ثم يخرجون بعد العرض يناقشون الشخصيات والنهاية وكأنهم عاشوا تجربة مشتركة فعلًا.
<span;>كتب الفيلسوف الألماني والتر بنيامين (Walter Benjamin)، في حديثه عن الفن في عصر الاستنساخ، أن السينما غيّرت طبيعة التلقي نفسها؛ لم يعد الإنسان يشاهد العمل الفني منفردًا، بل داخل جماعة تتشارك الانفعال والدهشة والضحك في اللحظة ذاتها.
<span;>وربما لهذا لا أعتقد أن هناك شكلًا آخر يمكن أن تستعيد به المدن المنهكة حياتها المدنية، أكثر من قدرتها على جمع الناس حول الفن مرة أخرى.
<span;>وأثناء العرض تذكرتُ فيلم «سينما باراديسو» (Cinema Paradiso) إنتاج ١٩٨٨، للمخرج جوزيبي تورناتوري (Giuseppe Tornatore)، حيث لم تكن السينما مجرد مكان لمشاهدة الأفلام، بل ذاكرة كاملة لمدينة صغيرة، ومكانًا يتعلم الناس داخله كيف يشعرون جماعيًا. المدن لا تتذكر نفسها عبر السياسة فقط، بل عبر الأماكن التي كانت تضحك وتبكي فيها معًا.
<span;>جيل الشاشات الصغيرة وصناعة الأفلام
<span;>كبر جيل كامل في اليمن يستهلك السينما عبر الإنترنت وشاشات الجوالات دون معرفة حقيقية بقاعاتها، وحفظ أسماء المخرجين دون عيش التجربة الجماعية للصورة.
<span;>جيل كامل تعلّم السينما بالطريقة نفسها التي تعلّم بها أشياء كثيرة في هذه المنطقة؛ وحيدًا، عبر الإنترنت، وبإحساس دائم بأن شغفه يحدث في الهامش.
<span;>ولهذا هدفت القاعة الصغيرة في حي الإخوة إلى إعادة تعريف العلاقة بين هؤلاء الشبان والصورة.
<span;>كان موضوع هذا العرض فيلم «شمس المعارف» (Shams Al Maaref) إنتاج ٢٠٢٠، للمخرج فارس قدس (Faris Godus).
<span;>في الغالب أنحاز للصورة التي ترتجف وتحاول الاعتراف بشيء ما، لهذا لم أشاهده كفيلم كوميدي فقط، إنما كحكاية عن جيل يحاول إيجاد صوته في عالم يتجاهل أحلامه.
<span;>يركض أبطال الفيلم خلف الكاميرا كمن يركض خلف حقه في الوجود، ويصنعون فيلمًا بإمكانات محدودة داخل مجتمع ينظر للفن كشيء زائد عن الحاجة.
<span;>في أحد مشاهد الفيلم يبدو الأبطال وكأنهم لا يحاولون فقط صناعة فيلم رعب مدرسي، بل يحاولون إثبات أن أحلامهم تستحق أن تُرى أصلًا، وهذا تحديدًا ما يجعل الفيلم قريبًا من شباب اليمن أكثر مما يبدو للوهلة الأولى.
<span;>ذلك القلق الذي يحمله الفيلم مألوف جدًا في المدن العربية؛ أن تمتلك حلمًا صغيرًا وتحاول الدفاع عنه داخل عالم يعتبر الفن رفاهية مؤجلة دائمًا. وربما لهذا يبدو «شمس المعارف» قريبًا من جيل كامل نشأ في بيئات تنظر إلى الفن بشك، لكنها في الوقت نفسه تركت الإنترنت يفتح أمام الشباب أبوابًا واسعة للخيال وصناعة المحتوى والصورة.
<span;>في مقال «حينها تحيا القصص» المنشور في منصة ، تبدو السينما محاولة لإنقاذ الإنسان من العيش داخل واقع مغلق لا يترك مساحة للتخيّل. وربما لهذا تحديدًا لم يكن الحاضرون في تلك القاعة يشاهدون فيلمًا فقط، بل يشاهدون شيئًا من أنفسهم داخل الشاشة.
<span;>استعادة الذاكرة الثقافية لمدينة تعز
<span;>يرتبط فهم عودة السينما بصورة تعز في الذاكرة اليمنية؛ كعاصمة ثقافية ارتبطت تاريخيًا بالتعليم، المسرح، الأغنية، والمنتديات. كان الفن فيها جزءًا من السلوك اليومي، لا نشاطًا محصورًا في النخب.
<span;>ولم تكن الشاشة الكبيرة غريبة عن اليمن تمامًا. فقبل سنوات طويلة من الحرب، عرفت مدن مثل عدن وتعز وصنعاء دور عرض سينمائية ارتبطت بالحياة المدنية للمدينة، قبل أن تتراجع تدريجيًا تحت تأثير التحولات السياسية والاجتماعية، ثم تختفي تقريبًا مع سنوات الحرب الطويلة.
<span;>غيرت الحرب هوية المدينة، تراجعت المساحات الثقافية، وانشغل الناس بالنجاة اليومية، فأصبحت تعز تتحدث عن الحرب أكثر من حديثها عن نفسها.
<span;>لذلك تأتي عودة السينما عبر عروض محدودة في قاعات صغيرة كدفاع عن الصورة القديمة لمدينة تقرأ، تشاهد، وتناقش.
<span;>فتبدو الشاشة كأنها تعرض إمكانية أخرى للحياة، ونافذة لمرور الضوء إلى أماكن عانت العتمة طويلًا.
<span;>فالحرب تجعل البشر أكثر عملية وقسوة، وتدفعهم لتأجيل الفن، مع أن المدن المتعبة من الحرب تكون بحاجة إلى الخيال والجمال بقدر حاجتها إلى الخبز.
<span;>كتب الناقد الفرنسي أندريه بازان (André Bazin) أن السينما لا تحفظ الواقع فقط، بل تحفظ “زمنه” أيضًا. وربما لهذا بدت تلك الأمسية محاولة صغيرة لتجميد لحظة مدنية نادرة داخل مدينة اعتادت أن يبتلعها الوقت العنيف سريعًا.
<span;>كما تذكرتُ أثناء العرض فيلم «آخر عرض سينمائي» (The Last Picture Show) إنتاج ١٩٧١، للمخرج بيتر بوغدانوفيتش (Peter Bogdanovich)، حيث لا يكون إغلاق دار السينما مجرد تفصيل في الحكاية، بل علامة على مدينة تفقد روحها تدريجيًا. المدن حين تخسر أماكنها الثقافية لا تخسر الترفيه فقط، بل تخسر جزءًا من قدرتها على تخيل نفسها.
<span;>الشاشة مساحة مقاومة هادئة
<span;>لن تغير أمسية سينمائية واحدة شكل مدينة كاملة، لكن الرموز الصغيرة تحمل المعاني الأكبر.
<span;>جلوس الشبان لمشاهدة فيلم يعني أن هناك رغبة حقيقية في استمرار الحياة، وأن مساحات الحلم والتأمل ما تزال مطلوبة.
<span;>لأن السينما في المدن المنهكة شكل من أشكال المقاومة الهادئة، وإصرار على أن الإنسان يحتاج ما يتجاوز مجرد النجاة.
<span;>المقاومة ليست مقاومة بالشعارات، بل بالإصرار على أن الإنسان لا يعيش بالنجاة وحدها.
<span;>هنا أتذكر ما كتبه ميلان كونديرا (Milan Kundera): «معركة الإنسان ضد السلطة هي معركة الذاكرة ضد النسيان». وربما لهذا تبدو السينما، في المدن الخارجة من الحرب، محاولة صغيرة لحماية الذاكرة الجماعية من التآكل، وحماية قدرة الناس على التخيّل والشعور.
<span;>الحروب الطويلة لا تدمر المدن فقط، بل تجعل الناس يعتادون القسوة بوصفها جزءًا من الحياة اليومية. ومع الوقت يصبح الخيال نفسه ترفًا نادرًا، وتصبح القدرة على الضحك أو التأمل أو الإنصات لقصة نوعًا من المقاومة الصامتة ضد الاعتياد الكامل على الخراب.
<span;>ولهذا لم تكن القاعة الصغيرة مجرد مكان للعرض، بل مساحة مؤقتة استعادت فيها المدينة قدرتها على التنفس خارج لغة الحرب.
<span;>ربما الشاشة عريضة بما يكفي للأمل
<span;>داخل القاعة، بدا الضوء الخارج من الشاشة كأنه يحاول ترميم شيء خفي داخل الناس؛ شيء يتعلق بفكرة الاجتماع، وبالقدرة على الإنصات لقصة، وبالإيمان أن الفن ما يزال قادرًا على منح الحياة معنى آخر غير الاحتمال اليومي.
<span;>انتهى الفيلم وعادت الإضاءة، تاركة ذلك الفراغ القصير الذي يتبع الأعمال الصادقة.
<span;>في الخارج، كانت تعز كما هي؛ بصخبها، شوارعها، وليلها السريع، لكن الأحاديث في جلسة النقاش دارت حول الفيلم، لقطاته الكوميدية، وإمكانية عرض أفلام أخرى، بعيدًا عن أحاديث الخسارات اليومية.
<span;>ولذلك كان العرض محاولة من المدينة للاجتماع حول الضوء، وفرصة للناس لرؤية أنفسهم داخل الصورة ومقاومة القسوة المحيطة بهم.
<span;>ومع مغادرة القاعة، بدا لي أن تعز لم تستعد السينما فقط، بل استعادت جزءًا من صوتها الحقيقي أيضًا.
<span;>وفي مدينة مثل تعز، قد يكون هذا الصوت بداية كافية للأمل.
<span;>الهوامش والمراجع
<span;>١. فيلم «شمس المعارف» (Shams Al Maaref) إنتاج ٢٠٢٠، إخراج فارس قدس (Faris Godus)، المملكة العربية السعودية.
<span;>٢. Walter Benjamin، “The Work of Art in the Age of Mechanical Reproduction”.
<span;>٣. André Bazin، كتاب <span;>What is Cinema?
<span;>٤. Milan Kundera، «كتاب الضحك والنسيان» (The Book of Laughter and Forgetting).
<span;>٥. فيلم «سينما باراديسو» (Cinema Paradiso) إنتاج ١٩٨٨، للمخرج جوزيبي تورناتوري (Giuseppe Tornatore).
<span;>٦. فيلم «آخر عرض سينمائي» (The Last Picture Show) إنتاج ١٩٧١، للمخرج بيتر بوغدانوفيتش (Peter Bogdanovich).
<span;>٧. Ingmar Bergman، تصريحات ومقابلات حول السينما بوصفها لغة للتواصل الإنساني والروحي.
<span;>٨. مقال «حينها تحيا القصص» المنشور في منصة .




