المعهد العالي للقضاء .. ثلاث سنواتٌ من التعب لا يعرفها إلا من عاشها

جواد النابهي :
اليوم، نطوي صفحة مرحلة دراسية كانت من أكثر المراحل ثقلًا على أرواحنا، وأكثرها استنزافًا لطاقتنا وصبرنا؛ مرحلة امتزجت فيها الضغوط النفسية بالتحديات الأكاديمية، وتزاحمت فيها المسؤوليات مع الأحلام التي طالما سعينا إلى تحقيقها.
إنه اليوم الأخير الذي حملنا فيه همَّ التحضير والمراجعة للامتحانات الشفوية، التي جاءت بعد امتحانات تحريرية لم تكن أقل مشقةً ولا استنزافًا؛ اليوم، نضع حدًّا لتلك اللحظات التي عشنا فيها توتر الإجابة، وقلق الانتظار، وترقُّب النتائج، وتلك المشاعر التي ظلت تتأرجح بين الخوف من التعثر والأمل في بلوغ ما نصبو إليه.
كم كانت أيامًا طويلة، وكم كانت لياليها شاقة! ليالٍ امتد فيها السهر حتى غابت ملامح الوقت، وأعينٌ أرهقها النظر بين السطور، وعقولٌ ظلت تتنقل بين النصوص القانونية والمسائل القضائية، تبحث عن إجابة صحيحة، وتستحضر حكمًا عادلًا، وكأنما لا مجال للراحة حتى نبلغ نهاية الطريق.
كم من ليلة جلسنا فيها أمام الكتب والمراجع، نتنقل بين مادة وأخرى، ونراجع مسألة بعد أخرى، بينما كان الوقت يمضي أسرع مما نريد، وكان النوم ينتظرنا طويلًا دون أن نستجيب له، وكم من مرة أعدنا قراءة السطر الواحد مرات، لا لأننا لم نفهمه، بل لأن الإرهاق سبق قدرتنا على استيعابه؛ كانت تلك تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها شكلت جزءًا كبيرًا من حكاية هذه السنوات.
لقد كانت سنة دراسية متعبة بحق؛ سنة اختُبر فيها صبرنا، واستُنزفت فيها طاقتنا، وواجهنا خلالها تحديات لم تكن أكاديمية فحسب، بل نفسية وإنسانية أيضًا؛ مرّت علينا أوقات ضاقت فيها صدورنا من بعض المواقف التي تعرضنا لها خارج أجواء الدراسة، وكدنا نفقد فيها صبرنا تجاه بعض الأشخاص، لكننا تجاوزنا كثيرًا منها، وتحملنا ما كان يمكن تجاوزه، وأدركنا أن ضغوط الحياة قد تجعل الإنسان أقل احتمالًا، وأن بعض التصرفات التي آلمتنا ربما لم تكن سوى انعكاس لعفوية اللحظة أو ثقل ما يحمله الإنسان في داخله.
واليوم، ونحن نقف عند نهاية هذه المرحلة، لا يسعنا إلا أن نستعيد تفاصيلها بكل ما فيها من تعب وقلق، وضحكات عابرة وسط الجد، ولحظات يأس أعقبها شيء من الأمل؛ نستعيدها ونحن ندرك أن الأيام التي بدت لنا يومًا طويلة لا تنتهي، أصبحت الآن ذكريات نقترب من توديعها، وأن ما حسبناه أثقل من قدرتنا استطعنا تجاوزه بالصبر والمثابرة.
لكنها ليست النهاية التي نستريح عندها تمامًا؛ فما ينتظرنا في المرحلة القادمة لا يقل أهمية عما سبقها؛ هناك التدريب العملي في المحاكم، حيث تتحول النصوص إلى وقائع، والمبادئ إلى تطبيقات، والمعرفة النظرية إلى ممارسة قضائية تتطلب الحكمة والتبصر وحسن التقدير، وهناك البحوث القانونية التي تنتظر منا جهدًا جديدًا، لنربط ما تعلمناه بواقع العمل القضائي، ونقترب أكثر من المسؤولية التي نتهيأ لحملها يومًا ما.
إنها مرحلة جديدة نغادر إليها محملين بتجارب هذه السنوات، وبآمال لا تزال تكبر في صدورنا، وبحلم أن يأتي اليوم الذي نرتدي فيه روب القضاء، وقد أدركنا أن العدالة ليست نصوصًا تُحفظ، ولا أحكامًا تُصاغ فحسب؛ بل أمانة عظيمة ومسؤولية لا تحتمل التهاون؛ فالقضاء ليس مجرد منصب نطمح إلى بلوغه، بل رسالة تتطلب من صاحبها أن يكون على قدر ما تحمله من حقوق الناس وآمالهم ومصائرهم.
كل ما نتمناه الآن أن تكون النهاية بحجم ما بذلناه من جهد، وأن نحصد ثمرة تلك الليالي التي خاصمنا فيها النوم، وتلك اللحظات التي قاومنا فيها الإحباط، وذلك التعب الذي أخفيناه خلف ابتسامات عابرة؛ نتمنى أن ننال نهاية تليق بصبرنا، وأن تكون النتائج جبرًا لخواطرنا، وتعويضًا عن كل لحظة شعرنا فيها بأن الطريق أطول مما نستطيع احتماله.
وفي هذه المناسبة، أتوجه إلى زميلاتي وزملائي في المعهد العالي للقضاء، الذين تقاسمنا معهم عناء هذه الرحلة الشاقة، فأقول لهم: لعلنا لم نكن دائمًا في أفضل حالاتنا، وربما لم نكن دائمًا كما تمنى بعضنا، وربما قالت الضغوط عنا ما لم تكن تقوله قلوبنا في أوقات الصفاء؛ لكننا في نهاية المطاف رفاق مرحلة لن تتكرر بتفاصيلها، وشهود على رحلة صنعت فينا الكثير.
سنظل نتذكر أننا عشنا معًا مرحلة استثنائية، تقاسمنا فيها شغف المعرفة، وقلق الامتحانات، ومرارة الانتظار، وفرحة الإجابات التي تذكرناها في اللحظات الأخيرة، وخوف النتائج الذي لم يكن يفارق أحاديثنا، تعلمنا فيها أن الصبر ليس مجرد احتمال للتعب، بل قدرة على مواصلة الطريق رغم كل ما فيه، وأن العلاقات الإنسانية قد تعتريها لحظات من سوء الفهم، لكن ما يجمعنا من ذكريات وتجارب يستحق أن يبقى أكبر من تلك المواقف العابرة.
غدًا، حين نلتفت إلى هذه الأيام، ربما لن نتذكر كل ما حفظناه من مواد، ولا كل ما كتبناه في أوراق الإجابة، بقدر ما سنتذكر كيف تجاوزنا تلك المرحلة، وكيف صمدنا حين أثقلتنا المسؤوليات، وكيف ظل الحلم أكبر من التعب.
اليوم نطوي صفحة ثلاث سنوات من التأهيل في قاعات الدراسة، لكننا لا نطوي الحلم؛ ننهي مرحلة من التحصيل لنبدأ مرحلة من التطبيق، ونغادر مقاعد الدراسة إلى ساحات العمل القضائي، نحمل معنا حصيلة العلم، وتجارب الأيام، وأملًا بأن يكون القادم أجمل، وأن تكون نهاية هذه الرحلة بدايةً لمستقبل نستحقه.
اليوم، لا نريد الكثير؛ نريد نهاية تليق بما بذلناه، وفرحة تنسينا مشقة الطريق، ونتائج تجبر خواطرنا، وبداية جديدة ندخلها بقلوب أكثر طمأنينة، وأمل أكبر، وإيمان بأن كل هذا التعب لم يكن عبثًا.
فاللهم اجعل ختام هذه المرحلة فرحًا ينسينا مشقتها، ونتائج تجبر خواطرنا، وتوفيقًا يفتح لنا أبواب المرحلة القادمة، واكتب لنا يومًا نقف فيه أمام أحلامنا وقد أصبحت واقعًا، وارزقنا أن ننظر إلى هذه السنوات التي مررنا بها، فنحمدك على أننا صبرنا حتى وصلنا.





